لغتنا العربيّة إلى أين؟ كيف يمكن تحسينها في ظلّ الذّكاء الاصطناعي ووسائل التّواصل الاجتماعي

 

 

📘 عنوان البحث: لغتنا العربيّة إلى أين؟كيف يمكن تحسينها في ظلّ الذّكاء الاصطناعي ووسائل التّواصل الاجتماعي

✍المؤلف: د. طلال الورداني

📖 المجلة: مجلة الضاد الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية

📚 العدد: 7

📆 تاريخ النشر: حزيران 2025

📄 الصفحات: 252-280

🏛 دار النشر: دار البيان العربي

ملخّص الدّراسة

تناولت هذه الدّراسة أثر وسائل التّواصل الاجتماعيّ على اللُّغة العربيّة في ظل انفجار الثورة المعلوماتيّة وما بعد العولمة، وظهور ما يُعرف بالمجتمع الافتراضي، حيث يعيش العالم تداعيات هذا الواقع، حتّى أصبح التّواصل سِمَة من سمات الذكاء الاصطناعي. وعلى ذات النسق أصبحت وسائل التّواصل الاجتماعي تُشَكِّل الهويّة الثقافيّة والقوميّة للأُمم والشُّعوب عبر لغاتها المختلفة، بوصفها الأداة الفعّالة التي بواسطتها يستطيع كلّ فرد بناء علاقاته المجتمعيّة.

وقد هدفت الدّراسة إلى معرفة أثر تلك الوسائل في تعليم اللّغة العربيّة التي هي لغة البيان والبلاغة، كذلك الإلمام بقيمة الممارسة اللّغويّة في شبكات التّواصل الاجتماعي التي تساعد في بناء قاعدة معرفيّة وإدراكيّة بين مكوّنات المجتمع المختلفة.

كما خلصت الدّراسة إلى أنّ ما يُهدّد اللّغة العربية اليوم هو ممارسة المستعملين لها، الأمر الذي جعلها في موقف ضعف، حيث لم يستثمر بشكلٍ كبير كما هو الحال عند اللّغات الأخرى.

من هنا، استخدم الباحث المنهج الوصفي والتحليلي، وأحيانًا الاستنباطي، لدراسة تلك الظاهرة في مراحلها المختلفة عن طريق تلافي سلبيّات الاستعمال، وتعزيز ثقافة التّواصل بشكل يحفظ مكانة اللّغة العربية، بوصفها عالميّة لها مكانتها بين لغات العالم.

الكلمات_المفتاحيّة: التّواصل الاجتماعي، اللُّغة العربيّة، الهويّة، الفصحى، العاميّة.

Abstract

This study addressed the impact of social media on the Arabic language in light of the explosion of the information revolution, globalization, and the emergence of what is known as the virtual community, as the world experiences the repercussions of this reality until communication has become a feature of globalization. In the same vein, social media has come to constitute the cultural and national identity of nations and peoples across their different languages, as an effective tool through which each individual can build his societal relationships.

The study aimed to know the impact of these methods in teaching the Arabic language, which is the language of eloquence and rhetoric, as well as to understand the value of linguistic practice in social networks that help in building a knowledge and awareness base among the various components of society.

The study concluded that what threatens the Arabic language today is the practice of its users, which has put it in a weak position as it has not been invested in as much as is the case with other languages. The researcher used the descriptive, analytical and sometimes deductive approach to study this phenomenon in its various stages by avoiding the negatives of use, and enhancing the culture of communication in a way that preserves the status of the Arabic language as a universal language that has its place among the languages ​​of the world.

Keywords: Social communication, Arabic language, identity, classical Arabic, colloquial Arabic.

 

مقدّمة

في النّصف الثّاني من القرن العشرين، برزت مجموعة التّحوّلات المتسارعة في مجالات الاتّصال وتقنيّة المعلومات والذّكاء الاصطناعي، ممّا أثّر تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا على لغتنا العربيّة، بعد أن كانت سيّدة اللُّغات، وقد برز هذا الأمر جليًّا في وسائل التّواصل الاجتماعي بكافّة أشكالها ومسمياتها، وما رافق ذلك من تردٍّ في المناهج الدّراسية التي فقدت الكثير من تأثيرها بسبب الحروب، والعُطَل القسرية، وجائحة كورونا، وانحياز شبابنا وشابّاتنا إلى اللُّغات الأجنبيّة، وتفاخرهم بتكلُّمِها، ظنًّا منهم أنهم يتميّزون عن أقرانهم من أبناء جلدتهم، إلّا أنّ وسائل التّواصل الاجتماعي وعالمها الافتراضي، وما رافق ذلك من دعايات أفسدت العقول والألسنة، قد جعلت محاولات الكتابة باللُّغة العربيّة تجري بالأحرف اللاّتينيّة، إلى جانب اتّصال الأجيال العربيّة بغيرهم في نواحي الأرض، حيث تحوّل العالم إلى قرية كونيّة صغيرة تحت مُسمَّى «الذّكاء الاصطناعي».

ولا شكّ في أنّ هذه التغيرات النفسيّة، كان لها الأثر الكبير على اللُّغة العربيّة بكلّ تشعبُّاتها، سلبًا وإيجابًا، فلغتنا العربيّة ليست بمنأى عن التّطوُّر الرقمي المشهود، وهي من أعظم اللُّغات بما تحمل من اشتقاقات ومعانٍ تضمينيّة.

وإذا كانت التّقنيّات الحديثة قد قدّمت للعربيّة خدمات كثيرة تتعلّق بالقواعد اللغويّة، وطرائق الكتابة الإملائيّة الصّحيحة، والاطّلاع على كل جديد عبر الفضاء الإلكتروني، ووفّرت أيضًا تطبيقات حاسوبيّة خدمت العربيّة من جانب، فإنّها تركت آثارًا سلبيّة خطيرة على اللُّغة المكتوبة والمنطوقة، وسلبت من الألسنة القدرة على التّعبير السّليم بسبب الأخطاء التي أرستها هذه الوسائل، عن قصد أو غير قصد، فهمش شبابنا دور الأُذن، وتلعثم اللسان، وأصبح قسم من شبابنا يهيمون في أودية اللُّغة الحديثة والمتنوعة، ممّا نشهده من ظواهر سلبيّة: التّواصل بالعاميّة، والخلط بين الكلمات العربيّة والأجنبيّة، وكتابة الأصوات العربيّة بالأحرف اللاتينيّة، واستعمال الأرقام بدلاً من الحروف، حيث نشهد الكثير من الكوارث اللُّغويّة على منصّات التّواصل الاجتماعي، والادّعاء والتّفاخر بصوابيّة ما يكتبون، ويُعزى ذلك إلى ضعف التّعليم المدرسي، وفتح دكاكين التّعليم الخاص، والتّرفيع الآلي للطّلاب من دون النّظر إلى المستوى، والإخفاقات التي تحصل نتيجة تخلّي بعض أصحاب الاختصاص عن دورهم الرّقابي في مواجهة ذلك. وبات استخدام كلّ ما تقدّم من تصرّفات علامة بائسة تؤثر سلبّا على لغتنا الفصحى التي شرّفها الله، وجعلها من اللّغات الخالدة، وخصّها بالقرآن الكريم، وحصّن القرآن الكريم بها.

هذه المعطيات والظّواهر اللّغوية غير المنضبطة بدأت تنتشر وتستشري مع الاستعمال الواسع للهواتف الذكيّة وغيرها من التّقنيّات في عالمنا العربي، حيث غلبت الرّكاكة في تأليف الجملة أو الفقرة صورةً ومضمونًا.

وشهدت محطّات الإذاعة والتلفزيون ركاكة لغويّة، أفسدت الذائقة اللُّغويّة عند فئتي الشّباب والأطفال وحتى الكبار؛ حتى أنّني كنت أسمع بعض البيانات المكتوبة والمنطوقة باللُّغة العربيّة، فتبيِّن لي أن الركاكة اللغويّة بلغت أوجها، فالأخطاء المنطوقة والمكتوبة تخطّت كل مسموح، حتى أن المتطاولين على اللُّغة بشقّيها: النثر والشّعر أخذوا يطلّون برؤوسهم مدّعين ما ليس لهم فيه.

وتسربت إلى السّطح اللهجات العاميّة أو الهجين اللغوي، وما رافق ذلك من سلبيّات، وغيابنا عن المشهد سمح للمتطفّلين وأصحاب الغايات التدميرية بإنشاء منصّات، وتوفير آلات تسمح للناطقين بالعربيّة وغير العربيّة بالمشاركة في النشاطات اللغويّة، فالعربيّة ليست فرسًا ركيكة كي يعتلي ظهرها من يشاء، إنما هي فرس أصيلة لا تسمح باعتلائها إلا الفرسان المميزين، فهل نعي ما ينتظرنا؟

هل يدرك ساداتنا الأخطاء المحدقة بهذه اللُّغة، وكيف يمكننا حمايتها من کلّ هجين ودخيل؟

ولا يكون ذلك إلا بتحصين لغتنا التي تستمد قوتها من القرآن الكريم، وما علينا القيام به من ضبط لعلاقاتنا مع الوسائل الحديثة، وتحفيز الأجيال ماديًّا ومعنويًّا على التمسّك بهذه اللُّغة والارتقاء بها كي لا تكون أداة هدّ وانحدار وتأخُّر.

إشكاليّة الدّراسة:

قد تُطرح الكثير من التساؤلات والقضايا عما طرأ من تطوّر تقنيّ وعلمي، تقدّمه وسائل التّواصل الحديثة وما يرافقها من تقنيات سريعة. وأثر ذلك على لغتنا العربيّة وكيف يمكن تلافي الخطر المحدق بلغتنا وأجيالنا، ومن ذلك:

  • ما الأسباب التي تقف وراء انتشار الظّواهر اللغويّة السلبيّة والتّردي الحاصل؟وما موقع اللُّغة العربيّة من المنظومات التقنيّة والمعلومات الحديثة؟
  • ما تأثير الاستعمال اللُّغوي على الذائقة الفنيّة والسليقة اللُّغويّة المستقاة من الإرث اللُّغوي العام؟وكيف يمكننا كبح جماح تأثير شبكات التّواصل المختلفة على الهويّة اللُّغوية والعمق الثقافي؟
  • ما دورنا في هذا المضار، وما الذي يمكننا القيام به لتحفيز النّاطقين بالعربيّة على سلوك الطريق الصحيح، وإيجاد الحلول المناسبة، ووضع حدٍّ للتّمادي الخطير الذي يُلقي بثقله على لغنتا الأم (الفصحى).
  • هل لنا أن نتواصل فيما بينا لتشكيل فريق عمل عربي متخصّص يسعى إلى إزالة الشّوائب،وربط الأجيال بمدارس نحويّة متخصّصة، من أجل رفع مستوى ثقافة الأفراد والجماعات، وتصحيح وتمرين المواطن العربي على لغة سليمة وتقنية واعدة، تُمكّننا من اللّحاق بركب المعرفة الإنسانيّة، وإيجاد أنفسنا في المكان الذي يليق بنا لغويًّا ومعنويًّا!؟.

منهج الدّراسة:

استخدم الباحث المنهج الوصفي والتّحليلي والاستنباطي أحيانًا.

الدراسات السابقة:

لقد تمّ توظيف هذه الدّراسات السابقة في إطار حفل اللُّغة العربيّة، من أجل دراسة واقعها وما طرأ عليها من خلل وإهمال في ظلّ وسائل التّواصل الاجتماعي والتّقنيات الحديثة، لبيان آثارها السلبيّة والإيجابيّة، منها:

  • محمد عبده فلفل: أضواء على المشكلة اللغويّة العربيّة (2025)، تحدّث الكاتب عن مقوّمات اللُّغة العربيّة، والمعوّقات، التي تقف في طريقها، وفي مقدمتها، وعي الأمّة بأهميّة لغتها،والمزاحمة اللغويّة الناتجة عن انتشار اللغات الأجنبيّة في البلاد العربيّة: اللّهجات العاميّة المنتشرة التي تحول دون تمكين أبناء العربيّة من لغتهم.
  • حياة بن حليمة، حمزة عبيدات: التّعدُّد اللُّغوي في وسائل التّواصل الاجتماعي (2020- 2021)، تناول البحث التغيّرات اللُّغويّة، التي صاحبت استخدام الوسائل التّقنيّة الحديثة، التي تزداد شيوعًا وانتشارًا، وأثرها السلبي على الهويّة الثقافيّة واللُّغويّة.
  • مريم عزون، مروى عقبي: واقع اللُّغة العربيّة في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصال (2020- 2021)، تناول البحث عمليّة التّواصل عبر الفيس بوك، والتّحديات التي تواجهها اللُّغة العربيّة، الناتجة عن تخلّي النّاس عن مبادئ هويتنا الإسلاميّة وثوابتنا الوطنيّة.
  • صافية كساس: الاستعمال اللُّغوي في وسائل التّواصل الاجتماعي عند الشّباب العربي- الواقع والأسباب والآثار(2019)، تناولت الكاتبة في بحثها مفهوم التّواصل الاجتماعي، وموقع اللُّغة العربيّة منها، والأخطار الناتجة عن استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي من دون رقابة.
  • أبو نصر محمد بن عبد الله الإمام: المؤامرة الغربية على اللُّغة العربيّة (2009)، تناول الكتاب أهمية اللّغة العربيّة، التي اصطفاها الله تعالى لغة القرآن الكريم. ثم تحدث عن المستشرقين، وما ينفقونه من أموال، التي تغدقها العديد من المؤسّسات الثقافيّة والسياسيّة الغربيّة لمحاربة اللُّغة العربيّة، سواء لنشر اللُّغة الأجنبيّة أو تشجيع اللهجات العاميّة، وشراء الضمائر الميتة.

أهميّة الدّراسة:

تتجلى أهميّة الدّراسة، في أن اللُّغة العربيّة، بما تمتاز به من خصائص، تُعدّ دعامة أساسيّة ثابتة من دعائم الأمّة وهويتها الثقافيّة والإنسانيّة، غير أنّها تتعرّض اليوم لأخطار محدقة تحاول النيل من هيبتها، ومن علاقتها الوثيقة بالقرآن الكريم، وتُهدّد أهميّة خلودها واستمراريتها.

لقد أسهم ما بعد العولمة المقنّعة، والتطوّر المتسارع في مجال الاتصال وتقنيّة المعلومات، في بروز العديد من الظّواهر السلبيّة التي نشأت بسبب الانتشار السريع لوسائل التواصل، وما رافق ذلك من استعمال متزايد للعاميّة، وانعكاس ذلك على الفصحى، والخلط بينها وبين الكلمات الأجنبيّة، وكتابة الأصوات العربيّة بالأحرف اللاتينية، وفي اختصار الكثير من الكلمات في اللُّغات الأجنبيّة، واستعمال الأرقام بدلًا من الأحرف.

كلّ ذلك يحتّم علينا ملاحقة هذه الظّواهر والحدّ من انتشارها، ولن يتحقّق ذلك إلا بتكاثف الجهود على جميع المستويات، من أعلى الهرم إلى ادناه، في المؤسّسات السياسيّة، والثقافية، والتعليميّة، والإعلاميّة، والوقوف معًا سدًّا منيعًا لمكافحتها، حفاظًا على كيان هذه الأمّة، وكرامتها، ووجودها.

أهميّة اللُّغة العربيّة:

تنبع أهميّة اللُّغة العربيّة من كونها تعبّر من ألسنة أهلها، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بحاجة الأمّة في التّعبير عن متطلّباتها بلسان عربي مبين؛ فهي ذات علاقة عميقة وجذريّة بالدين الإسلامي والقرآن الكريم، إذ اصطفى الله هذه اللُّغة من بين لغات العالم لتكون لُغة كتابه العظيم، ولتنزل بها الرسالة الخاتمة: )إِنّا أَنْزَلْنَاه قُرْآنًا عرَبِيًّا لَعَلُّكُم تَعْقِلُون ( [سورة يوسف، الآية: 2].

ومن هذا المنطلق ندرك عمق الصِّلة بين العربيّة والإسلام. فالعربيّة تُعدّ من أقدم اللغات الحيّة على وجه الأرض، وعلى الرغم من اختلاف بين الباحثين حول عمر هذه اللُّغة، فإنّه لا شكّ في أن العربيّة التي تستخدمها اليوم أمضت ما يزيد على ألف وستمائة سنة، وقد تكفَّل الله سبحانه بحفظ هذه اللُّغة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، حيث قال تعالى: )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون( [سورة الحِجر: الآية: 9]، ومنذ العصور الإسلامية الأولى، انتشرت العربيّة في معظم أرجاء المعمورة، وبلغت ما بلغه الإسلام، وارتبطت بحياة المسلمين، فأصبحت لغة العلم، والأدب، والسياسة، والحضارة، فضلًا عن كونها لغة الدين والعبادة.

وقد استطاعت اللُّغة العربيّة أن تستوعب حضارات مختلفة: العربيّة، والفارسيّة، واليونانيّة، والهنديّة المعاصرة لها، وبلغت أوج ازدهارها في القرن الرابع الهجري، السابع الميلادي، وجمعت تلك الحضارات في إطار حضارة واحدة، عالمية التّوجّه، إنسانيّة الرؤية، وذلك لأوّل مرة في التّاريخ.

وفي ظلّ القرآن الكريم، أصبحت اللُّغة العربيّة لغة عالميّة، واللُّغة الأمّ لبلاد كثيرة، كما تتجلّى أهميّتها في كونها المفتاح إلى الثقافة الإسلاميّة والعربيّة، ذلك أنها تتيح لمتعلّمها الاطلّاع على كمٍّ حضاري وفكري ضخم لأمّة تربّعت على عرش الدّنيا عدّة قرون، وخلّفت إرثًا حضاريًّا ضخمًا في مختلف الفنون وشتّى العلوم.

تُعدّ اللُّغة من أهمّ مقوّمات الوحدة بين المجتمعات، وقد دأبت العربيّة منذ القِدَم على تعليم لغتها ونشرها للراغبين فيها على اختلاف أجناسهم وألوانهم، وما زالت كذلك حتى اليوم. فالعربيّة لم تعد لغة خاصّة بالعرب وحدهم، بل أصبحت لغة عالميّة يتواصل بها الملايين من المسلمين وغيرهم حول العالم، غير أنّ تردّي الموقف السياسي والثقافي للعرب، وإدارة الظّهر لهذه اللُّغة المباركة من قِبل أصحاب القرار والنفوذ، جعل الآخرين يشجّعون أبناءنا على تعلُّم لغتهم، مما أفقدنا الكثير من مقوّمات النهوض والتّطوُّر. وقد دفع الغرب إلى غزونا في عقر دارنا بواسطة تقنياته الحديثة، مما شكّل خطرًا على اللُّغة عند الناطقين بها حيث بلغ الإهمال منها ما بلغ.

لقد تراخى العرب عن مواكبة اللُّغة في عصرنا الحديث، وأُلقيت بها في زوايا الإهمال، لتنشط اللُّغات الأجنبيّة على حسابها، ظنًّا من المتعالين على هذه اللُّغة أنهم يدخلون بجهلهم عنها ميدان لغات الغرب باسم الحضارة والتمدُّن.

واليوم، نوجّه نداءً ملحًّا إلى جامعة الدُّول العربيّة، بأن تضع خطّة مستعجلة مبنيّة على أسس سليمة في سبيل إنقاذ هذه اللُّغة من براثن المتطفّلين والمتآمرين عليها، ولا يكون ذلك إلا بتشجيع البحث العلمي، وإقامة النّدوات والمؤتمرات، لإنقاذ ما يمكن  إنقاذه كي تصحّ الألسن، ويسطع حضورها الفاعل بين اللُّغات العالميّة الخالدة.

اللُّغة من منظور علماء الغرب:

يذكر العالم اللُّغوي السويسري، فرديناند دي سوسير (1857- 1913) (سوسير، 1985)، الذي يُعدّ الأب الروحي للمدرسة البنيوية في عالم اللسانيات، في معرض حديثه عن اللُّغة بأن «اللُّغة موجودة على هيئة ذخيرة في الانطباعات المخزونة في دماغ كل فرد من أفراد مجتمع معين، ويكاد ذلك المعجم الذي توزع منه نسخ على كل فرد في المجتمع، فاللُّغة لها وجود في كل فرد، ومع ذلك فهي موجودة عند المجموع، وهي لا تتأثر برغبة الأفراد الذين تخزّن عندهم». فاللُّغة هي أساس التّواصل في الحياة البشريّة، ولها وظيفتان: صوتيّة واجتماعيّة، إذ إنّها أداة للتّعبير والاتّصال، وهي الوسيلة الأكثر فعالية في تمكين الفرد للبدء في علاقات وتفاعلات اجتماعيّة مختلفة، فلا حياة اجتماعيّة متماسكة إلا بها ولا تدرس اللُّغة لتكون ألفاظًا خالية من مضامينها أو نصوصًا وقواعد تصلح للتخزين في ذاكرتهم، كي يعيد اجترارها ساعة يشاء، بل يجب أن تدرس لتؤدي وظائفها المتعدّدة فيما يتصل  بالمواقف الحياتيّة التي تؤهل المهتمين بها من دارسين وغيرهم ليتصلوا عبر هذه اللُّغة بأبعادهم الوطنيّة والقوميّة.

فاللُّغة وعاء الفكر والثّقافة، ومادّة انتشار المعارف والإنجازات العلميّة والإنسانيّة للنّاطقين بها، وهي الصورة التي تعكس تفكير الأمة ورؤيتها للعالم الداخلي والخارجي لأبنائها الناطقين بها، كما أنّها تمثلّ هويتهم الوجوديّة، وتدفعهم إلى الإبداع وإنتاج معارفهم، والمطلوب من كل متكلّم بلغته أن يبدع بها في مجالي العلم والأدب، ويحملها معارف مختلفة ينقلها للآخرين كي تصبح لغة المعرفة، فتحميل اللُّغة بالمعرفة هو أساء بناء المجتمع من مختلف جوانبه اللُّغويّة والمعرفيّة والتّواصليّة.

ويرى المؤرخ الفرنسي إرنست رينان في معرض حديثه عن اللُّغة العربيّة وما تتمتّع به من غنى وجزالة، في قوله: «من أغرب الأمور التي تدعو للدهشة، أن تثبت تلك اللُّغة القوميّة، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى، عند أمة من الرُّحّل، تلك اللُّغة التي فاقت إخوتها بكثرة مفرداتها، ورقّة معانيها وحسن نظم مبانيها» (أنور الجندي، 1965).

وهذا إن دلّ على شيء، فإنمّا يدل على أن اللُّغة العربيّة تتميّز عن غيرها من اللُّغات العالميّة في قدرتها الفائقة على الاشتقاق وتوليد المعاني واستيعاب الألفاظ الأجنبيّة من اللُّغات الأخرى وتعريبها، مما زادها غزارة وسعة؛ وقد أكسبتها هذه السّعة ثراءً في المفردات، والتّعبير عنها بوضوح ودقّة، فتجاوزت حدود الجغرافيا التي نشأت فيها، لتصبح لغة عالميّة، أخذت منها اللُّغات الكثير من الألفاظ والمصطلحات التي لا تزال مستخدمة في اللُّغات العالميّة الحيّة (محمود حسينات، 2017).

بناءً على ما تقدّم، تتبوأ اللُّغة العربيّة مكانة خاصة ومتميّزة بين اللغات العالميّة، فهي واحدة من اللُّغات السامية، وهي لغة القرآن الكريم، وبها كتب الحديث النبويّ الشريف، وهي لغة الفكر والعلم والثّقافة، كما أنّها رمز الأمّة وهويتها، تعبّر عن انتماء الفرد العربي والمسلم لأمته ودينه، وتسعى دائمًا إلى بلوغ العالميّة، كما كانت في السابق، على الرغم من التحديّات الداخليّة من بعض أبنائها، والخارجيّة من المتربصين بها (الإماميّة، 2009).

ومما تتميّز به اللُّغة العربيّة، أنّها ذات قدرة كبيرة على تذليل الصعاب، وتكمن قوّتها في مجابهة الحياة بكلّ مناحيها، ولديها كذلك القدرة على استيعاب كلّ جديد في مجالات العلم والفلسفة والحكمة ومختلف انواع المعرفة، مما يزيد من مكانتها وعلوّ شأنها. فهي لغة مباركة تنبع من القرآن الكريم، وقد وجدت كثير من ألفاظها ومصطلحاتها طريقها إلى اللُّغات العالميّة من خلال جسور الاتصال التي امتدت إلى الغرب. فكانت الحضارة الإسلاميّة في الأندلس وتوسّع التجارة نحو آسيا وامتداداتها، كما دخلت الأرقام العربيّة إلى أوروبا حوالى القرن العاشر الميلادي، وحملها الدعاة المسلمون إلى شعوب العالم كأندونيسيا وماليزيا وغيرهما، دون التّمييز بين جنس أو لون أو لغة.

مفهوم اللُّغة:

يرى ابن جني أنّ «اللُّغة عبارة عن أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم» (جني، 2000)، أما ابن سنان الخفاجي فذكر أنهّا «ما تواضع القوم عليه من الكلام» (الخفاجي، 2000)، فهي وسيلة من وسائل التّواصل لقوله تعالى: )فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون( [سورة الدخان، الآية: 58].

وقد عرّفها آخرون بأنّها مجموعة من الرّموز تمثّل المعاني المختلفة؛ أو هي نظام عرفي لرموز صوتية يستغلها النّاس في الاتّصال، وهي مهارة اختصّ بها الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض، وتشمل الكلمات واللّهجات والنّغمات الصوتيّة، أو حتى الإشارات وتعبيرات الوجه والجسم (زاهد، 2000).

فالمقصود باللُّغة، إذًا، الكلمات التي يستعملها الناس نطقًا وكتابةً للتّعبير عن أغراضهم سواء كانت عربيّة أم فرنسيّة أم ألمانيّة، أو هنديّة أو صينيّة أو إنجليزية، وغيرها من اللُّغات. فاللُّغة، والفكر، والمجتمع، هي ظواهر متداخلة تؤدي إلى تطوُّر الحياة وقيام الحضارة الإنسانيّة الراقية، كما أنّ اللُّغة أداة التعبير عمّا يجول في الخاطر والافكار وما تحمل من معانٍ تضمينيّة، تتشكّل في شكل رغبات وتطلُّعات وأحاسيس (حجازي، 1993).

إن لغة الأمّة هي وعاء فكرها وعواطفها، ولما كان كلّ الفكر والعاطفة عرضة للتغيير، فإن اللُّغة تخضع بدورها للتغيير، حيث تتغيّر وفق الظروف التي تمر بها الجماعة الإنسانية. فاللُّغة مرآة المجتمع والأمة، تعكس صيغ الأخذ والعطاء، وتُمكّن من فهم منطق الإيحاء اللفظي في ظاهرة التفاهم (يونس، 1993).

يمتلك الإنسان محفّزات إدراكيّة وحسيّة تساعده على الفهم وبناء قدراته ومهاراته، على الرغم من اختلاف التّعابير والتّراكيب اللُّغويّة، تبقى اللُّغة مجموعة من الرموز الصوتيّة يستغلها الإنسان في الاتّصال مع ذاته ومع الآخرين من حوله، ويرى بعض الباحثين أن اللُّغة هي كل وسيلة لتبادل المشاعر والأفكار والإشارات والأصوات والألفاظ لأداء المشاعر والأفكار (أنيس، 1970).

إنّ اللُّغة ظاهرة نفسية مكتبة تمليها نوازع الحاجة إلى التّعبير والتفاهم مع الآخرين. وهي تمثّل الثقافة التي تحدّد هويّة الشّعوب؛ فالمجتمعات تتواصل وتتفاهم عبرها، لذلك لا يمكن أن توجد شعوب من دون اللُّغة، فهي تنطوي على ثقافة وتاريخ وهوية الأمة، وإذا أردنا أن نبني مجتمعًا سليمًا، يجب أن تكون هناك لغة تعبّر عن ذلك المجتمع، ومن هنا تأتي أهميةّ اللُّغة في بناء المجتمعات (يونس، 1993).

ولذلك نرى من يستعملون مواقع التّواصل الاجتماعي من غير العرب والمسلمين كثيرًا ما يهتمون باللُّغة والثقافة والتراث، والغرض منها تغريب الذّهنيّة العربيّة من خلال الأفلام والفيديوهات والمسلسلات، ولمواجهة هذا التغريب يجب أن ندرك أننا نمتلك اللُّغة العربيّة التي تستمدّ قوتها وأهميّتها من القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، وبفضل العربيّة انتشر الإسلام إلى بقاع العالم لسهولة تعليمها ولبلاغة عباراتها ولفصاحة بيانها التي عجزت عنه البشريّة أن تأتي بمثله لأن في تعليم الإسلام بواسطة اللُّغة العربيّة تتجلى قِيَم روحيّة وعقليّة واجتماعيّة وإنسانيّة، فالقرآن معجزة الإسلام وواحة يرد إليها المؤمنون ليزدادوا إيمانًا، بل هو المعجزة الباقية إلى قيام السّاعة، وهو المنهج القويم الذي يتمناه الإنسان منهجًا للحياة. ومن سمات العربيّة أنها قادرة على التّواصل الفعّال مع الآخرين بكافة أشكاله إذ لا تواصل متكامل مع كتاب الله إلّا بها.

فاللُّغة العربيّة تعلو وترتقي لأنها كلام الله سبحانه وتعالى، فالصياغة ربّانيّة والمعاني إلهيّة، وقد اكتسبت أهميّتها في الآتي:

  • تتميّز باللُّغة العربيّة بالبيان والفصاحة والبلاغة.
  • تعدُّ المعاني في اللُّغة العربيّة تدل على متانة تقديم الحجّة على الناس.
  • تعدُّ اللُّغة العربيّة مقوّمًا أساسيًّا من مقوّمات الأمّة الإسلاميّة.
  • تحتلّ اللُّغة العربيّة المركز الرابع بوصفها أكثر اللُّغات انتشارًا في العالم حيث يتحدث بها ما يقارب 280 مليون شخص.
  • تعليم العربيّة لغير الناطقين بها ستكون سِمة التميُّز والذكاء، حيث يوجد عدد قليل من يتقنها في بلاد الغرب، فالمستقبل للُّغة العربيّة موعود بالانتشار الواسع سواء من خلال المهاجرين أو التجّار شرط أن تؤمّن لها الحماية ممّا أحدثه الذكاء الاصطناعي في الاتّصالات والتّواصل الاجتماعي التي تشكّل ثقلًا وهاجسًا عند أهل اللُّغة حيث الألسنة أهملتها والأقلام المستأجرة أساءت إليها، ولكن يبقى أن نقول إنّ هذه اللُّغة محروسة من الله ولا يمكن لأحدٍ مهما علا شأنه أن ينال منها طالما لدينا من ينبرون للدفاع عنها.

 

أثر وسائل التّواصل الاجتماعي الحديثة على اللُّغة العربيّة:

يشهد العالم اليوم تحوُّلات متسارعة في مجال الاتصال وتقنية المعلومات، الأمر الذي جعل العالم قرية كونيّة صغيرة، اضمحلّت فيها المسافات والحدود، وأصبحت المعلومات تنتقل إلى سائر أنحاء المعمورة في لمح البصر. ولا شكّ في أنّ تلك المتغيّرات لها تأثيرها المباشر على اللُّغة العربيّة سلبًا وإيجابًا؛ إذ لا يمكننا إنكار ما قدّمته التّكنولوجيا الحديثة من خدمات كبيرة في تعليم اللُّغة العربيّة، لا سيما على صعيد توفير الأدوات والتطبيقات إلكترونية حافظت على فكرة تعلم العربيّة على كافة المستويات، سواء في النّصوص التي تقدمها أو التي تتضمنها، مع التركيز على القواعد اللغويّة السليمة، وطرائق الكتابة الإملائيّة الصحيحة (بيومي، 2000).

وعلى النسق ذاته، فإنّ نهضة الأمّة العربيّة قد ارتبطت ارتباطًا وثيقا بنهضة لغتها وقوتها في جميع الميادين العلميّة والبحثيّة، وقد دأبت الحضارات، على مر العصور، على الاهتمام بلغاتها، بوصفها مظهرًا من مظاهر تقدُّمها ورُقِيّها، فاللُّغة العربيّة هي لغة التواصل، ومن خلالها يتمّ التّخاطب والتّفاهم والحوار والنّقاش، في إطار حلقات متصلة من نقل الأفكار وتبادل الخبرات بين أفراد المجتمع، من خلال الفروق الفرديّة والاجتماعيّة.

ويدلّ مصطلح التّواصل على علاقة متبادلة بين مرسل ومستقبل في سياق اجتماعي معيّن يؤدي إلى التّفاعل بينهما، وتتضمّن عمليّة التفاعل جوابًا صريحًا أو ضمنيًّا للهدف الذي تقوم عليه تلك العلاقة. وتمتاز وسائل التّواصل الاجتماعي بوجود برامج وتطبيقات تتيح للمتعلّمين جملة من الإيجابيات، منها: سرعة الكتابة والنُّطق بالفصحى، وضبط الكلمات من دون عناء أو مشقّة، والانتقال بالمحادثات من العاميّة إلى الفصحى تبعًا للبيئة الجغرافيّة.

ومع انتشار وسائل التّواصل الاجتماعي، انتشرت مخاوف لدى الباحثين من أن تؤدي بعض اللُّغات إلى اندثار لغات أخرى وتحلُّلها، خصوصًا عندما ظهرت اللغات الأخرى المنافسة للُّغة العربيّة في محيطها المحلي والعالمي، وصدور معظم الّتطبيقات باللغات الأجنبيّة، إلا أن هذا لا يقلّل من مكانة اللغة العربيّة ودورها، ولا من دورها في الفصاحة والبيان  (التويجري، 2013).

واللُّغة العربيّة اليوم تشكل ميزان المعرفة لكثير من القوميّات، بخاصة في بلداننا العربيّة والإسلامية، مما دفع بعض المواقع الإلكترونيّة إلى ترجمة محتواها إلى العربيّة، نظرًا إلى تأثير هذه اللغة على نطاق واسع من المتلقّين والمستقبلين. من هنا، يمكن القول إنّ الغرب ارتبط بالنهضة الحضارية العربيّة في العديد من العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والتطبيقيّة، بفضل العلماء المسلمين الذين أدّوا دورًا كبيرًا في تعريف الغرب بالعلوم الطبيّة والتّطبيقيّة، مثل: ابن رشد، وابن سينا، وابن الهيثم وغيرهم.

إن ما نشهده في عملية التواصل أنّها تشتمل على عناصر أساسيّة: المُرسِل، والمرسَل إليه، والمرسلة، سواء كانت هذه العناصر بشرًا أو آلة، فردًا أو جماعة، ويتطلّب ذلك نظامًا لإرسال الرسائل، سواء كانت لفظًا أو كتابةً أو سماعًا؛ وقد اختلفت تعريفات التّواصل بحسب كل باحث وتخصُّصه، ومن ذلك ما ذكره الباحث الفلسطيني ماجد سكّر في حديثه عن التّواصل الاجتماعي، حيث عرّفه بأنه: «نقل الافكار والتجارب وتبادل الخبرات والمعارف بين الأفراد والجماعات بتفاعل ينتج عنه رسائل تتم بين مرسل ومتلقٍّ، وهو جوهر العلاقات الإنسانيّة ومحقق تطوّرها  (طه وسعاد عبد الكريم عباس الوائلي، 2005).

لقد برز إلى الواجهة مصطلح التّواصل التّقني منذ تسعينيّات القرن الماضي وبداية الألفيّة الثانية، من خلال مجموعة من المواقع الإلكترونيّة التي ساهمت في إنتاجها وتظهيرها إلى العالم الافتراضي مؤسسات وأفراد، كان هدفها الربح والعائد المادي، كي تقیم تواصلاً وتفاعلًا بين الناس، انطلاقًا من الخدمات المتعدّدة التي تؤديها، ومنها المراسلات والمحادثات الفوريّة، والفيديوهات، لنسج علاقات اجتماعيّة يتبادلون فيها الخبرات فيما بينهم بواسطة الصور والوسائط الأخرى من بصريّة وسمعيّة وبرمجيات  (حليمة وحمزة عبيدات، 2020- 2021).

تمتاز وسائل التّواصل الاجتماعي والتي منها: فيسبوك، ويوتيوب، وتويتر، وسناب شات، وإنستغرام، بحضورها الفعّال على الشبكة العنكبوتيّة (الإنترنت) وبمميّزات لا يمكن أن توجد في غيرها من تقنيات التّواصل الأخرى، فهي تتيح التّواصل بين الأفراد في هذا العالم الافتراضي على اختلاف انتماءاتهم، تفاعلًا وسرعة، فتتشكل من ذلك علاقات اجتماعيّة، وشبكة صداقات يتمّ من خلالها تبادل المعلومات، ويكمن استمرار الشبكات في استمرار العلاقة التّواصلية فيما بينهم.

وتتم عملية التّواصل الاجتماعي بين أطراف وجهات تتبادل الخبرات والأدوار في نشر الرّسائل التواصليّة المتنوّعة واستقبالها، من خلال المنصّات والخدمات الرقميّة المترابطة ووسائلها، لتحقيق أهداف اجتماعيّة أو تجاريّة معينة  (عبدالحميد).

ويعتمد التّواصل، فيما يعتمد، على القنوات الإلكترونية المختلفة، ويأتي في مقدّمتها الحاسوب الآلي والهواتف الذكيّة، إذ ساعدت هذه الوسائل على كسر الحدود الجغرافيّة، واتسعت معها المسافات، وبرزت حاجات الناس بعضها عبر تقنية المعلومات الحديثة، وتلبية المتطلبات التجاريّة والاجتماعيّة وغيرها. كما أنّ التّواصل عبر المشاهدات البصريّة أو التعبير الكتابي أو الشّفهي، وفّر أرضيّة صالحة لحاجات الإنسان الملحّة في ترتيب أولولياته، والتّعبير عما يفكر به في مختلف المجالات.

 

إيجابيّات وسلبيّات وسائل التّواصل الاجتماعي على اللُّغة العربيّة:

المجال الأول: الإيجابيّات:

تعدُّ اللُّغة العربيّة المصدر الأساسي لما يحتاج إليه الإنسان من قدرة على التّعبير، فمنذ القِدم وإلى عصرنا هذا، استُعملت اللُّغة أداة للتواصل الفعّال، من أجل تحقيق تطلُّعات الحياة الإنسانيّة للفرد والجماعة، ولا شك في أن مواقع التّواصل الاجتماعي تمتلك تأثيرًا مباشرًا على اللُّغة العربيّة، ومن الإيجابيّات المترتّبة على استعمال التكنولوجيا الحديثة في هذه المواقع: توفير أدوات وتطبيقات إلكترونيّة تُعنى بتعليم اللُّغة العربيّة، وكما اهتم مصمّمو المواقع بالقواعد اللغويّة السليمة وطرق كتابتها الصحيحة.

ومن التأثيرات الإيجابية أيضًا: إمكانية كتابة المقالات، ورسائل الماجستير والدكتوراه، عبر منصّات التواصل الاجتماعي؛ وعلى النسق ذاته، أسهمت هذه التطبيقات في تطوير مهارات اللُّغة وتقويتها، ممّا أتاح لأصحاب هذه الوسائط أن ينشروا ما يشاؤون بحريّة كبيرة.

ومن الإيجابيات أيضًا: الزيادة في إنشاء الصفحات التي تُعنى ببناء محتوى تعليمي، تسويقي، وترفيهي، بما يحقق تفاعلاً أکبر بين التابعين والمهتمين.

أمّا المجال الثاني: في السلبيّات:

على الرغم من أن الإيجابيّات قد أسهمت بشكل كبير في تحقيق تواصل بنّاء بين أفراد المجتمع، إلا أن هنالك من يرى أنّ تدهورًا مريعًا يحدث في أوساط المدمنين على هذه الوسائط سواء من عامة الناس أو من طلاب المدارس؛ فالضرر والأثر السلبي يبرزان بقوّة، ويظهر هذا التأثير جليًّا للعيان في السمع والبصر.

وقد كشفت بعض الدراسات الحديثة أن استخدام الإنترنت أثّر تأثيرًا كبيرًا على الأداء الأكاديمي للطلاب في مختلف مراحلهم الدراسيّة، حتى أصبح كثير منهم مدمنين على تصفّح هذه المواقع لساعات طويلة. كما أدّى الهوس بمواقع التواصل الاجتماعي إلى تأثير سلبي وحقيقي على حياتهم اليوميّة، حتى باتت هذه المواقع شريكة هؤلاء في الحلّ والترحال، وأصبح الهاتف المحمول وما يحتويه من تطبيقات شريكًا أساسيًّا في حياتهم، حيث وفّر لهم إمكانيّة التواصل مع العالم من حولهم.

غير أنّ هذا العالم الافتراضي لا يخلو من المطبات، والخزعبلات، والخدع والتمويهات، ويُسهم في إضعاف اللُّغة العربية، وربما اندثارها تدريجيًّا، في ظل حضور لغات أخرى تحل محلها.

ومن السلبيات الأخرى: عدم اكتراث المشتركين في المواقع بالأخطاء اللغوية، سواء النحويّة أو الإملائيّة، وهي أخطاء لا يمكن التخلص منها بين عشية وضحاها، خصوصًا مع تنامي ظاهرة التغريب والاستلاب الفكري، وهو ما أفقد اللُّغة العربيّة جزءًا من مكانتها مقارنة باللغات الأخرى  (العجمي، 2019).

إنّ وجود اللُّغة العربيّة في ساحات اللغات الأخرى، وما تشهد هذه اللُّغة من تغريب على أيدي أبنائها وألسنتهم، يضعنا أمام صراع لغوي وجودي كبير، فالثورة الرقميّة الهائلة فرضت نفسها على أجيال تنكّرت للغة العربيّة الفصحى، وفضلها ومكانتها.

ويُعزى هذا التراجع إلى غياب عوامل أساسيّة مناط بها حماية اللغة العربيّة، وفي مقدمتها: المجتمع، والمؤسسات الإعلاميّة، والتربويّة، والتعليميّة. فإهمال اللُّغة الأم أمر بالغ الخطورة، على المدى القريب والبعيد، إذ يؤدي إلى تراجعها أمام اللُّغات الأخرى التي تتصدر المشهد وتفرض حضورها في الواجهة.

إنّ دور الإعلام يجب أن يكون إيجابيًّا لا سلبيًّا، وألا ينخدع الإعلاميّون بالمقابل الماديّ على حساب هويتهم الحقيقيّة، إذ ينبغي لهم الانحياز إليها والدفاع عنها، كما يقع على عاتق المؤسسات التربويّة والتعليميّة والإعلاميّة أن توظف كلّ إمكانياتها لصياغة مناهج جديدة مسؤولة، لا تكتفي بمسايرة الواقع المتجدّد، بل تعمل بكل إخلاص على رفع مستوى التعبير الكتابي والشفهي بين المثقفين والمتعلّمين وعامة الناس، إلى جانب التحقق من المستوى العلمي والثقافي للمتواصلين وتحسين أدائهم، بما يمكّن اللُّغة العربية الفصحى من أداء دورها الأسمى في مجتمعاتنا العربيّة، التي تهيم على وجهها، وتحتاج إلى مدّ يد العون والمساعدة للخروج من مستنقع اللُّغات واللهجات المستوردة والركيكة.

إن التطور العلمي والتكنولوجي جعل الإنسان لا ينفك عن استعمال مواقع التّواصل الاجتماعي، مما جعل تعليم اللُّغة العربيّة عرضة لكثير من التّحديات الآنية والمستقبلية، ومع أنّ العالم أصبح كقرية كونيّة، فإنّ استعمال الشبكة العنكبوتيّة بات من مستلزمات المعرفة بالعالم. لذا، لا بد من إيجاد حل ومقترحات تساعد في الحدّ من تأثير هذه الوسائط على اللُّغة العربيّة، تعليمًا ومعرفة، ومن تلك الحلول ما يلي:

  • أولاً: الاستثمار في التقنيات الحديثة لتطوير اللُّغة العربيّة،لما تتميز به من ثراء في الاشتقاق ومرونة عالية. وقد أدّى هذا إلى استحداث برمجيات وتطبيقات خاصة باللُّغة العربيّة، وهنا تبرز الحاجة إلى حثّ أبناء الأمّة من المتميزين في مجالات التكنولوجيا على تعريب الأنظمة المهمّة التي يحتاجها الأفراد والمؤسسات، وتفعيل ثقافة الالتزام، والحرص، والمسؤوليّة الوطنيّة والقوميّة والإنسانيّة في الدّفاع عن هذه اللُّغة المباركة وخدمتها في مواقع التّواصل الاجتماعي.
  • ثانياً: عقد دورات تدريبيّة لتعليم برمجة اللُّغة العربيّة،والسّعي إلى إنشاء معجم إلكتروني حديث، والتّعامل مع الحاسبات الآلية بروح العصر والتقدم. كما يستحسن إلزام الإعلاميّين والصحفيّين بحضور دورات البرمجة، لتمكينهم من حماية هذه اللُّغة التي تجسّد تاريخ وثقافة الشرق العربي منذ الجاهلية إلى يومنا هذا.
  • ثالثاً: تمكين اللُّغة العربيّة من قيادة نفسها وتطويرأدواتها، لمواكبة العصر بما يليق بها كلغة القرآن الكريم، حيث تشكّل الهوية الحقيقيّة للأمّة العربيّة.
  • رابعاً: تشجيع ثقافة المشاركات والمسابقات والحوارات والمناظرات في مواقع التّواصل الاجتماعي،بما يسهم في إثراء اللُّغة بالفصاحة والبلاغة، وموسيقى الشعر، والترجمة، والتعريب،  مما يُعزّز حضور العربيّة في السّاحات الرّقميّة.
  • خامساً: التركيز على النقد البنّاء،الذي يسهم في بلورة اللُّغة العربية وإثرائها، وذلك من خلال جهود المتخصّصين في مجال النقد، لما يمتلكون من أدوات معرفيّة ووظيفية نقديّة واعية واعدة تسهم في الحفاظ على نقاء اللّغة.
  • سادساً: توعية الأطفال والشّباب،وتشجيعهم على الاستعمال العقلاني والإيجابي للُّغة العربيّة، لتصبح الشّبكات التّواصليّة والاجتماعيّة أداة للبناء والتثقيف، لا وسيلة للهدم والسخرية.
  • سابعاً: تشجيع البحث العلمي في المؤسسات العلمية والأكاديميّة والمراكز البحثية،وتصميم مواقع تتسم بالقِيَم والمبادئ العربيّة الإسلاميّة، كي يستطيع الطالب التكيّف معها من دون انحراف.
  • ثامناً: ابتكار وسائل وأساليب جديدة في تعليم اللُّغة العربيّة عبر وسائل التّواصل الاجتماعي.
  • تاسعًا: إعداد متخصصين وخبراء من ذوي الكفاءات لتعليم العربيّة عبر وسائل التواصل الاجتماعي (التعليم الإلكتروني).
  • عاشرًا:تدريب القيمين وتأهيلهم على الشأن التربوي والتعليمي، وإبراز أهميّة الاتّصال والتواصل باللُّغة الفصحى، حفاظًا على مقوّمات الهويّة الوطنيّة والقوميّة.
  • حادي عشر: عقد المؤتمرات المحلية والدولية التي تسهم في بناء جسور الثقة بين المتخصصين في اللُّغة العربيّة، وتبادل الآراء من خلال الحوار والمناقشة.

 

خلاصة القول:

إن اللُّغة العربيّة باقية بقاء القرآن الكريم، وهي من اللُّغات الخالدة، فليكن لنا جميعًا شرف صونها والدّفاع عنها، فهي كرامتنا وعزّنا ووجودنا، ومن خلالها استطعنا أن نطلّ على العالم، وأن ننقل لهم عظمة هذه اللُّغة، وإرشادهم إلى الخير والفلاح.

لقد وفّرت لنا مواقع التواصل الاجتماعي حضورًا على المنصات الإلكترونيّة العالميّة، مما يدفعنا إلى إثبات أهميّة «لغة الضّاد» للعالم، وذلك بفضل الجهود الجبّارة التي يبذلها المؤمنين بأهمية لغتنا، ودور ها في الاستمرار على مسرح الأدب والعلم العالميين، كي نصل إلى قلوب الملايين من البشر، من دون تكاليف مادية تُذكر، ومن دون  جهد كبير.

ويتطلب ذلك أنا نعيد ترتيب أوراقنا، لنواكب تطوّرات وسائل التّواصل الاجتماعي، ونعمل على الاستفادة الإيجابيّة منها إلى أبعد الحدود.

 

اللهجات العاميّة وانعكاساتها السلبيّة على الفصحى عبر وسائل التّواصل:

تظهر مواقع وسائل التّواصل الاجتماعي الحديثة، المكتوبة والمرئية والمسموعة، تفشي اللهجات العامية وشيوعها وانتشارها بين الناس كالنّار في الهشيم، مما ترك آثارًا سلبية على اللُّغة الفصحى، وأدّى إلى إهمالها، لا سيما عند جيل الشباب.

وتتجلى هذه المشكلة بشكل خاص في أوساط طلبة المدارس الذين يرتادون مواقع التّواصل الاجتماعي بكثافة، وكذلك وبين عامة الناس العاملين في المجالات المختلفة، التجاريّة، والصناعيّة، والزراعيّة والسياسيّة، وغيرها. على الرغم من أن لكل مستوى من هذه المستويات معجمه الخاص الذي تفرضه طبيعة المهنة وخصوصيتها، إلا أن تفشي العاميّة بشكل كبير دفع هؤلاء إلى التذاكي على الفصحى واستعمال ما يحلو لهم من العاميّة، بحجة أنها تصل إلى المتلقي بسرعة أكثر.

فالعاميّة تُعدّ لغة الشارع والمنزل والأعراس والمناسبات المختلفة، ولكل لهجة عاميّة خصوصيتها وسماتها اللُّغوية الدارجة، التي تختلف من مستوى إلى آخر، ومن لهجة إلى أخرى، ويُبرِّر هذا الميل بالرغبة في إيصال الفكرة بالعامية، حتى لو كانت المصطلحات المستخدمة خارجة عن قواعد الكتابة والصياغة العربيّة الصحيحة.

ولا يتوقف الأمر عند استخدام العاميّة في وسائل التّواصل الاجتماعي، بل يتخطاه إلى الدعايات في القنوات الإعلاميّة المرئية والمسموعة، بل وحتى في الإعلانات المدفوعة الصادرة عن جهات تسعى إلى تشجيع اللهجات العامية، كما نلحظ في المسلسلات التلفزيونية، وفي كلام الشعراء الشعبيين، حيث تخرج المفردات عن مسلكها الطبيعي، ويصبح ليّ الألسنة أمرًا مقبولًا ومألوفًا عند هؤلاء، ومن نماذج ذلك:

  • شوف إزا فاضي: أرى إذا لدي وقتًا.
  • حبيب ألبي: حبيب قلبي.
  • عاراسي يا برو: شكرًا أخي العزيز.
  • لك والله كفو: أي أنك على قدر المسؤولية.
  • روء على وضعك/ هدّي على حصانك:  أن تأخذ الأمور برويّة.
  • والله طيرتلي عقلي: لقد أفقدتني صوابي.

الهجين اللغوي:

يعدُّ الهجين اللغوي، أو ما يُسمّى بالتلوث اللغوي، النمط الأكثر خطورة على اللُّغة العربيّة، وهي ظاهرة جديدة انتشرت وتطوّرت بشكل متسارع مع اتساع رقعة وسائل التواصل الحديثة، وتزايد استخدام المواقع العلميّة والتقنيّة، لا سيما بين المتعلمين الذين درسوا في بلدان أجنبيّة.

وقد دفع العديد من المتخصصين الغيورين على الدراسات اللغوية إلى انتقاد هذه الظاهرة، والتنبه إلى خطورتها، إذ باتت تهدد اللُّغة العربيّة وتمحو خصوصيتها. وقد ألقوا باللوم على فئة يفترض أن يكون دورها إيجابيًّا لا سلبيًّا في المجتمع، فإذا بها  تقف موقف المتفرج، غير مبالية بمسؤولياتها، بل قد تُسهم في تشجيع هذه الظاهرة التي تجتاح اللُّغة العربيّة في بنيتها الكتابية، وتزداد حدّتها يومًا بعد يوم، وذلك لأسباب عديدة، منها:

  • انتشار التعليم الاجنبي، والجامعات الأجنبية في البلاد العربيّة، حتى إن طلاب الاختصاص في مجالات مختلفة لا يتضمن منهجهم أي حضور لمادة اللُّغة العربيّة.وفي ذلك انفصال تدريجي عن تعلم اللُّغة العربيّة لسنوات عديدة، مما ينعكس سلبًا على اللُّغة.
  • الهجوم المبرمج والمنظّم على اللُّغة العربيّة والانتقاص من قيمتها،من خلال ما ينشر في الصحف والمجلات ومواقع التّواصل ووسائل الإعلام المنتشرة في العالم العربي، والتي تهيمن عليها الثقافة الغربيّة التي تسعى جاهدة إلى حصر اللُّغة العربيّة في الجانب الديني.
  • ظهور جائحة كورونا وانعكاسها السلبي على مسارات التّعليم،حيث أدّى التّعطيل القسري الذي فقدان المتعلمين الكثير من المهارات التي كان ينبغي اكتسابها، ما انعكس سلبًا على أداء الطلاب والإعلاميين، حيث نلحظ الكثير من الأخطاء غير المبرّرة على ألسنة الإعلاميّين.
  • الانتقاص من قيمة اللُّغة العربيّة بادّعاء أنّها عاجزة عن مواكبةالتطوُّر والتقدم، وهذا تجنٍّ واضح، نلمسه خصوصاً بين الشّباب في المدارس والجامعات.
  • كتابة الحروف العربيّة في وسائل التواصل الاجتماعي بأحرف لاتينيّة  (دراجة، 2020).

قد يكون من الصعب حصر مظاهر الهجين بين اللُّغة العربيّة واللُّغات الأجنبية، وهذا ما نلمحه من أحاديث بعض أصحاب الشأن، الذين يظنّون أنهم يتميّزون على غيرهم من خلال التحدث بلغتين والخلط بينهما، مستخدمين عبارات أجنبية وعربية في آنٍ واحد.

ونلحظ هذه الظاهرة أيضًا في المدارس والجامعات، حيث يعمد بعض المدرسين إلى الخلط بين العربيّة الفصحى والعاميّة، ظنًّا منهم أن ذلك يسهّل الفهم على الطلاب.

وبناء على ما تقدم، نجد أن بعض أساتذة المواد العلمية يخلطون في أثناء شرحهم للدروس بين العربيّة والإنجليزيّة، وهو ما يعكس في كثير من الأحيان ضعفًا في التمكُّن من اللُّغة الأُمّ.

مثال على ذلك:

  • كيف استرکتش structureبشكل عام: كيف يعمل بناء بشكل عام.
  • كيف تصير ماستر master: كيف تصبح متقنًا.
  • کیف دوکمنتیشن documentationبشکل عام: كيف تعمل توثیقًا بشکل عام.
  • لازم تعطيهم تست بنك Test bank: يجب إعطائهم امتحان.

أما ظواهر التلوّث اللغوي التي تستخدم في وسائل التواصل الاجتماعي كتابة الحروف العربيّة بالأحرف اللاتينية.

  • أهم شيء: Aham Shay
  • عيد مبارك: Eid Mubarak
  • إن شاء الله: inshallah
  • نلتقي غدًا: Naltagi ghadan

أو استبدال الحروف العربيّة بالأرقام لمقاربة شكل الحرف مع شكل الرقم، ومن ذلك:

الرقم 2- (So2al سؤال).

الرقم 3- (An3am نعم)

الرقم 7- (ِA7lam Sa3ida أحلام سعيدة.

الرقمين 8 و9 (غ وق) (Nalta9i 8dan) نلتقي غداً.

وتتسم لغة الهجين بخلوّها من قواعد ثابتة تبنى عليها الكلمات المكتوبة أو المنطوقة التي يستخدمها الناطقون بالعربيّة في خطاباتهم ومحادثاتهم، مما يُنتتج لغة هجينة ملوثة بالّتعابير العاميّة والرموز المصطنعة والأرقام، وهو ما يشكّل خطرًا على نظام الكتابة العربيّة، ويفسد الذائقة الفنيّة العربيّة  (كساس، 2019).

كيف يمكن تحصين العربيّة؟

إنّ لغتنا العربيّة في أمسّ الحاجة اليوم إلى أن نقف إلى جانبها، والدفاع عنها، ونُحصنها في وجه الهجمة الشرسة التي تتعرض لها من جهات متعددة، الأمر الذي يتطلّب منا تكثيف الجهود، وبذل كل مستطاع لحماية العربيّة الفصحى من كل خلل.

وفي عصر ما بعد العولمة والانفجار المعرفي المتسارع، وثورة الاتصالات، يمكننا استثمار هذه الثورة التكنولوجية لصالح العربيّة الفصحى واستثمار الإعلام بمجالاته المسموعة والمرئيّة والمكتوبة لمواجهة الهجمة المسعورة للهجات العالميّة والأجنبية، وهذا يدفعنا إلى:

  • تعزيز الانتماء والوعي اللُّغوي إلى الأمة ولغتها الفصحى.
  • توحيد جهود أبناء الأمة لمناصرة الفصحى التي هي عامل وحدة لنا جميعًا.
  • محاولة إقصاء العامية ما استطعنا لذلك سبيلًا في معاملاتنا وأحاديثنا ومراسلاتنا.
  • تمكين الأجيال العربيّة من إعادة الاعتبار للغتهم الفصحى والعمل على تطويرها بما يخدم متطلّبات العصر.
  • اللُّغة العربيّة الفصحي هي ضمانتنا ووحدتنا في مواجهة كل التحديات، فهي تعيد للأمّة مكانتها بين الأمم.
  • تميُّز لغتنا الفصحى برُقِيّها وغناها معنًى ومبنًى، فهي لغة القرآن الكريم، ولغة أهل الجنّة، فإن أهملناها أهملتنا وعرّتنا من قِيَمنا وحضورنا.

إن ما تصاب به لغتنا العربيّة الفصحى اليوم من إهمال وإدارة ظهر، إنما هو نتيجة تخلّي أبناء الأمّة عن واجبهم في مواكبة لغتهم المباركة التي أكرمنا الله بها، هذه اللُّغة تمتلك مقوّمات الديمومة والتفوّق اللُّغوي، وما أصابها من تردٍّ يردُّ إلى أبنائها المترهلين عنها.

والحقيقة أنّ العربيّة قادرة، على مواكبة عصر التقدُّم التقني الذي يشهده العالم، وهي تثبت انتماءنا وولاءنا لوطننا العربي وإسلامنا العظيم.

وقد أشار الدكتور مازن مبارك في معرض حديثه عن علاقة الغرب بالشرق، حيث  كانت العربيّة في أوج سموّها وقوّتها، بوصفها اللُّغة العالميّة الأولى للأمّة الإسلاميّة والعربيّة، إلى قوله: «إذا كان لنا من تاريخ غيره فهل يحدثنا تاريخ التقاء الغرب بالشرق حيث التقينا أول مرة لقاء الغرب المتعلّم مع الشرق المعلّم؟ هل حدثنا أن الغرب استشرق أو استغرب بلسانه» (طرية، 2008).

إن التفكير في مستقبل هذه الأُمّة ولغتها مسألة تستحق الاهتمام، ليس على صعيد الفكر العربي المعاصر فحسب، بل على صعيد الفكر الإسلامي كذلك، فهي قضية سيادة واستقلالية، وهي بالمعنى العام قضية حياة أو موت لهذه الأمة.

فهي ليست قضيّة ثقافيّة أو أدبيّة أو لغويّة فقط، بل لها صلة وثيقة بسيادة الأمّة العربيّة والإسلامية على ثقافتها وفكرها، ولها دور كبير ومصيري في بنائها الحضاري  (عزون ومروة عقبي، 2020- 2021).

ولمواجهة هذه التحديات يجب على أبناء الأمة الميامين المختصين والمهتمين والنقاد وأصحاب القرار تناول هذه القضيّة بجدية، والعمل على إيجاد الحلول لنصرة العربيّة وإعلاء شأنها؛ ولتمكين هذه اللُّغة من تحقيق أمنها اللُّغوي وتطوُّرها الحضاري، ينبغي على السلطة السياسية في العالم العربي اتخاذ قرارات حاسمة تدعم المؤسسات التعليميّة والإعلاميّة والثقافيّة وتشجعها ماديًّا ومعنويًّا على تبني برامج متخصّصة في تعليم اللُّغة العربيّة، كتابةً ونطقًا ونحوًا.

كما ينبغي التشارك مع مراكز الأبحاث من أجل تطوير التقنيات الحاسوبيّة التي تخدم اللغة العربية في مجالات الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية والمعاجم الرقمية. ولكي تتمكن هذه اللُّغة من القيام بمطالب أهلها يجب أن تُدعّم بمجموعة من المجالات التي تسهم في تطورها وحمايته، منها:

  • تشجيع البحث العلمي في الجامعات والمؤسسات الثقافية،وتحفيز الباحثين على الكتابة باللُّغة العربيّة، إلى جانب التشجيع على الترجمة في المجالات العلميّة، وتوعية الطلاب بمخاطر استخدام اللهجات العاميّة والهجين اللغوي على واقع الأمّة ومستقبلها.
  • تفعيل الترجمة إلى العربيّة ومنها إلى اللغات الأجنبيّة، ودعم المراكز التي تهتم بالتعريب، والتأليف والنشر، وترجمة أمهات الكتب العلميّة للاستفادة منها.
  • دعوة شبكات التّواصل الاجتماعي والقيمين عليها إلى الحوار عن قرب والنشر والبث الإعلامي والبحث المعلوماتي، ليكون كل ذلك مصدر قوّة لنشر اللُّغة العربيّة من خلال حسابات متنوعة في الفضاء الرقمي تغذي تقدّم وسائل التفاعل الحيّ الإيجابي، وعناصر الجذب الفاعلة (بلعزوي، 2016).

 

الخاتمة

إنّ التحديات التي تواجه اللُّغة العربيّة هذه الايام هي تحديات جسيمة، خصوصًا في ظل هيمنة مواقع التّواصل الاجتماعي التي ألقت بثقلها على حياتنا اليوميّة وحياة أبنائنا، مما يشكل قلقًا بالغًا على مستقبلنا ومستقبل هذه اللُّغة، ويشوه جمالياتها وأصالتها، ويجب أن ندرك أن هذه الهجمة تنال حضورنا وحضور لغتنا بين الأمم، إلا أن ما نشهده من انحراف أجيالنا تجاه اللغات الأجنبيّة الذي يدفعهم إلى العقوق والإنكار، على الرغم من أن العربيّة تمتلك مقوّمات البقاء والصمود.

إنّ هويّتنا العربيّة الإسلامية تقتضي منّا التمسّك بممارسة اللُّغة من خلال قراءة القرآن الكريم، والتمكُّن من شرحه وتفسيره، والتعمُّق في مضامينه، لكي نمتلك اللسان الفصيح والقدرة على التعبير عن أفكارنا ومشاعرنا بكل سلاسة وفصاحة.

في ختام هذه الدّراسة التي أخذت الجهد المتواضع في مواكبة محبّتنا للغتنا العربيّة الفصحى وضرورة الدفاع وتصحيح الأخطاء التي تتعرض لها، لا بدّ من تقديم جملة من التوصيات الضروريّة للحفاظ على هذه اللُّغة، وضمان استمرارها ومواكبتها في تجدُّدها وعلوّ شأنها، ومن أهم تلك التوصيات:

  • ضرورة اهتمام مؤسساتنا الأكاديميّة بجميع مستوياتها باللُّغة العربيّة، وتحفيز الأجيال في الحفاظ على هويّتنا العربيّة والوطنية،وأهمية انتمائهم لها.
  • تعزيز دور الأسرة والمدرسة والإعلام والاعتراف بأهمية اللُّغة العربيّة كونها من ثوابت الهوية الإسلاميّة.
  • الابتعاد عن العاميّة بلهجاتها المختلفة عبر مواقع التّواصل الاجتماعي.
  • العمل على تأسيس مجتمع افتراضي متخصّص يتدخل ويشرف على أداء المنخرطين في مجالي اللُّغة والإعلام، من أجل تحسين الأداء وإقصاء التفاهات والترهات التي لا تمت إلى العربيّة بِصِلَة.
  • نشر الوعي بضرورة الاهتمام باستعمال اللُّغة العربيّة وصناعة محتواها الجيّد عند الاجيال على مواقع التّواصل الاجتماعي،وتصحيح المضامين والأخطاء الإملائيّة الشائعة.

إنّ هذه اللُّغة الحيّة المباركة تمتلك شروط البقاء، مهما حاول المغرضون النيل منها واحتضانها، إلا أن الله حفظها بحفظه، وحصّنها بالقرآن الكريم، ومهما فعلت وسائل التكنولوجيا والتّواصل الاجتماعي للحدّ منها، فهي باقية خالدة ومستمرة، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره.

 


قائمة المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

  1. ابن جني، أبو الفتح عثمان. (2000). سر صناعة الأعراب. بيروت: دار الكتب العلمية.
  2. أبو نصر محمد بن عبد الله الإماميّة. (2009).: المؤامرة الغربية على اللُّغة العربية.
  3. التويجري، ع. ا. (2013). مستقبل اللغة العربية.
  4. الحميد، م. ع. (n.d.). الاتصال وشبكات الانترنت.
  5. الخفاجي، ا. س. (2000). سر الفصاحة.
  6. العجمي، س. ب. (2019). الكتابة العربية بالأحرف اللاتينية. مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة اللغة العربية: السعودية.
  7. الفخفاجي، ا. س. (n.d.). سر الفصاحة.
  8. أنور الجندي. (1965). اللُّغة بين حماتها وخصومها. القاهرة: وسوعة معالم الأدب العربي المعاصر.
  9. أنيس، إ. (1970). اللغة بين القوميّة والعالميّة. مصر: دار المعارف المصرية.
  10. بلعزوي، س. (2016). واقع اللغة العربية في مواقع التواصل الاجتماعي الأسباب والحلول. عين تموشنت الجزائر: جامعة بلحاج بوشعيب.
  11. جني، أ. ا. (2000). سر صناعة الإعراب. (تحقيق: م. ع. النجار( بيروت: دار الكتب العلمية.
  12. حجازي، م. ف. (1993). الأسس اللغويّة لعلم المصطلح. مكتبة غريب.
  13. حليمة، ح. ب.،& حمزة عبيدات. (2020- 2021). التعدد اللغوي في وسائل التواصل الاجتماعي. الجزائر: جامعة محمد بوضياف المسيلة.
  14. دراجة، ب. ا. (2020). واقع استعمال اللغة العربية في وسائل التواصل الاجتماعي آفاق مجهولة ورهانات مأمولة. الجزائر: جامعة باجي مختار عناية.
  15. زاهد، ز. غ. (2000). العربيّة والأمن اللّغوي. عمان: مؤسسة الوراق.
  16. سوسير، ف. د. (1985). علم اللغة العاتم. (ت. ي. عزيز،) العراق: دار آفاق عربية للصحافة والنشر.
  17. طرية، ع. ب. (2008). اللغة العربية وتحديات العولمة. الأثر مجلة الآداب واللغات،جامعة قاصدي مرباح العدد 7 ماي.
  18. طه، ع. ح.،& سعاد عبد الكريم عباس الوائلي. (2005). اللغة العربية مناهدها وطرائق تدريسها. عمان: دار الشروق.
  19. عبد الحميد بيومي. (2000). شبكات المعلومات ومصير اللغة العربية.
  20. عبدالحميد، م. (n.d.). الاتصال وشبكات الانترنت.
  21. عزون، م.،& مروة عقبي. (2020- 2021). واقع اللغة العربية في عصر نكنولوجيا المعلومات والاتصال. الجزائر: جامعة محمد خيضر بسكرة.
  22. كساس، ص. (2019). الاستعمال اللغوي في وسائل التواصل الاجتماعي عبد الشباب العربي الواقع والأسباب والآثار. بوزريعة الجزائر: مجلة إشكالات في اللغة العربية المدرسة العليا للأساتذة.
  23. محمود حسينات. (2017). مقاربات لغوية اللّغة العربية ودورها في إعناء اللغات العالميّة.
  24. يونس، ع. م. (1993). وصف اللغة العربية دلالياً في ضوء مفهوم الدلالة المركزية. طرابلس: منشورات جامعة الفاتح.

 

حقوق النشر © محفوظة لمجلة الضاد الدولية – العدد السابع، حزيران 2025.
يُمنع إعادة نشر هذا البحث أو نسخه أو استخدامه لأغراض تجارية أو إعادة توزيعه كليًا أو جزئيًا بأي وسيلة، من دون إذنٍ رسمي وخطي من إدارة مجلة الضاد الدولية حصراً.

تنويه مهم:
يُسمح بالاستشهاد العلمي من هذا البحث، سواء بالنقل الحرفي القصير ضمن علامات تنصيص، أو بإعادة الصياغة،
وذلك ضمن الأطر الأكاديمية المعترف بها، وبشرط الالتزام الكامل بقواعد التوثيق العلمي وذكر المرجع بشكل صحيح
(اسم المؤلف، عنوان البحث، المجلة، العدد، تاريخ النشر، الصفحات).

إن الاستشهاد العلمي لا يُعدّ انتهاكًا للحقوق الفكرية، بل هو حق مشروع ضمن أخلاقيات البحث العلمي.

لأي استفسار أو طلب إذن رسمي لإعادة استخدام المحتوى، يُرجى التواصل مع إدارة المجلة عبر البريد الإلكتروني:
📩 Dhadinternationaljournal@gmail.com

الموقع الإلكتروني للمجلة: dhadinternationaljournal-hss.com

 

Loading

Scroll to Top