📘 عنوان البحث:الشِّعرُ العامليُّ في موسوعة (أعيان الشِّيعة) لمحسن الأمين
✍المؤلف:د. قاسم بزون
📖 المجلة: مجلة الضاد الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية
📚 العدد: 7
📆 تاريخ النشر: حزيران 2025
📄 الصفحات: 388-452
🏛 دار النشر: دار البيان العربي
ملاحظات توثيقيَّة:
– نظرًا إلى كون المرجع الأساسيّ لدراستنا هو موسوعة السِّيد محسن الأمين (أعيان الشِّيعة)، فإنَّنا لن نشير إليه عند كلِّ اقتباسٍ بالاسم، بل سنكتفي بذكر الجزء، والصًّفحة. أمَّا إذا وثَّقنا من مراجع أخرى، فسنشير إليها مفصًّلًا، كما تقتضي أصول البحث.
– لم نورد الشَّواهد الشّعريَّة كلَّها، بل بعضها، واكتفينا بالإشارة إلى مضمونها، وأسلوبها، وأحلنا إلى مظانِّها في الأعيان، توخِّيًا للاختصار ولعدم جعل حجم المقالة كبيرًا. ومن أراد التَّفاصيل بإمكانه الرّجوع إلى رسالتنا الجامعيَّة المفصَّلة عن الأعيان – الجامعة اللبنانيَّة، وهي أكثر من 350 صفحة، وإلى الأعيان، وغيرهما من المراجع.
– سنضع ملحقًا (فهرست) نعرِّف فيه باختصار بمعظم الشُّعراء الوارد ذكرهم في المقالة.
– مصطلحات: م.ن: المرجع أو المصدر نفسه. م.س: مصدر أو مرجع سابق. ص: صفحة. ج: جزء، مج: مجلَّد، وما هو معروف من بقيَّة المصطلحات بحسب طرائق التَّوثيق.
مقدِّمة: الأدب العامليّ القديم:
يمثِّل جبل عامل منطقةً لبنانيَّة عربيَّةً، أدَّت أدوارًا كبيرةً عبر التَّاريخ، وساهم بأدب أبنائه، ومواقفهم النِّضاليَّة والثَّوريَّة والنَّهضويَّة، في مواجهة الظَّالمين والمستعمرين منذ عهودٍ بعيدةٍ، ولا سيَّما في مراحل انحطاط وفساد الأنظمة التي حكمته، وابتعادها الكبير عن سكك العدالة وقيم الحقِّ والحرِّيَّة، وأكثر ما تجلَّت تلك المواقف المشرقة في مواجهة المستعمرين الأجانب، كالفرنسيِّين بعد زوال السَّلطنة العثمانيَّة في الحرب العالميَّة الأولى؛ فواجه أبطال الجبل وعلماؤه، كالسَّيِّد عبد الحسين شرف الدِّين، وصادق حمزة الفاعور، وأدهم خنجر، وغسرهم كثيرون، واجهوا المحتلِّين الفرنسيِّين بالكلمة، والرَّصاص، والمواقف الدِّينيَّة والثَّقافيَّة والأدبيَّة على أنواعها، بحسبِ ما سمحت به ظروفهم، ثمَّ أكملوا جهادهم منذ نكبة فلسطين واحتلالها وبداية المشروع الاستعماريّ الغربيّ بنسخته الجديدة للسيطرة على المنطقة، وقرارها، وثرواتها، وتقسيمها، وإضعافها، بواسطة مشروع زرع دولة (إسرائيل) فيها؛ فكانوا ولا يزالون، في طليعة المتصدِّين لهذا المشروع الاستيطانيّ الخطير، دفاعًا عن لبنان في وجه الأطماع الصُّهيونيَّة في أرضه ومياهه، والمعروفة منذ ما قبل قيام دولة المشروع الغربيّ سنة 1948، ودفاعًا عن قضايا الأمَّة عمومًا، وعن المظلومين ظلمًا شديدًا في أرض فلسطين، منذ حوالى ثمانين سنة، وهم يدفعون قوافل الشُّهداء من أبنائهم، وبناتهم، ونسائهم، وشيوخهم، وقادتهم، وبيوتهم، وحقولهم، ومؤسَّساتهم، وصولًا إلى الصَّفحة الأخيرة المشرقة بشرف المواقف المساندة للمضطهدين في فلسطين، وتصدِّيًا لأكبر حربٍ إجراميَّةٍ بدعمٍ عالميٍّ، استهدف إبادتهم وتهجيرهم، وتفريغ بلادهم، وجعلها غير قابلةٍ للحياة، ومنعًا لعودتهم إلى مناطق التُّخوم وخطِّ الدِّفاع الأوَّل عن الوطن جنوبًا وشرقًا، تمهيدًا لمشاريع عدوانيَّة لاحقة.
وإنصافًا لهؤلاء – ولكلِّ الوطنيِّين والشُّرفاء الذين وقفوا مثلهم وضحَّوا وساهموا في لبنان – نرى لزامًا علينا الإضاءة على أدبهم، قديمه، وحديثه. وسنبدا بأدبهم القديم المنسجم مع أدب المنطقة العربيّ في تلك الحقب، كما سنرى. وعلينا ان نكمله لاحقًا، بتسليط الضَّوء على أدبهم الحديث، وعلاقته بقضايا الوطن والأمَّة.
كنا قد تناولنا في مقالة سابقة في هذه المجلة، في العدد الثَّاني (شباط 2023)، أحد كبار علماء جبل عامل اللبنانيّ العلَّامة المجدِّد السَّيِّد محسن الأمين، ودوره الكبير في التُّراث الدِّينيّ، وموسوعته الكبيرة (أعيان الشِّيعة). تكملةً لفائدة تلك المقالة، سنبيِّن ناحيةً أدبيَّةً (لبنانيَّةً) بتسليط الضَّوء على اشعارِ أهمِّ شعراء جبل عامل وأغراضها في حقبةٍ تمتدّ لمئات السِّنين، ولا سيَّما منذ عصر ما بعد المماليك حتَّى وفاة كاتب الموسوعة سنة 1952.
ونظرًا إلى كبر حجم الأشعار العامليَّة، سنعرضها في جزءين [مقالتين]؛ في الجزء الأوَّل نقدِّم الأشعار الدِّينيَّة، وقسمًا من الأشعار العامليَّة غير الدِّينيَّة (المدائح والمراثي)، ثمَّ نكمل في الجزء الثَّاني بعرضِ بقيَّة الأغراض الوجدانيّة غير الدِّينيَّة، مثل الإخوانيّات الْعَامِلِيَّة، والغَزَل والنَّسِيْب، وأشعار الحنين والأشعار المهجريَّة، وأشعار الغربة والوحدة، والشَّكْوَى والتَّذَمُّر، والفخر والهجاء، والحماسة والحروب، والفُكَاهة والدُّعابَة…
المبحث الأوَّل: الشِّعرُ الدِّينيُّ العامليُّ في الأعيان:
لم يخرج شعراء جبل عامل عن سياق الشِّعر العربيّ في عموم بلاد الشَّام والعراق وشبه الجزيرة العربيَّة من حيث الأسلوب والمضمون والصُّور الفنِّيَّة التَّقليديَّة؛ فكانت أغراضهم متشابهةً، مع تَميُّزٍ في بروز أهل البيت وقضاياهم في أشعارهم بصورةٍ لافتة.
تصدّى العامليّون لمعظمِ أغراض الشِّعر الوجدانيّة، كالمديح والرّثاء، والحكمةِ والمواعظ، والإصلاح الاجتماعيّ، والزّهدِ والعرفان، والأشعار السّياسيّة، ونَظَمُوا فيها، وتنوَّعَت أشعارهم ما بين التّقليديّ، والعاميّ الشَّعْبِيّ، والأزجال، والموشّحات، وإن غلبَ الشّعر التّقليديّ الفصيح عليها غلبةً واضِحَةً، مع بروز أشعار المديح، والرّثاء، والإخوانيّات على بقيّة الأغْراضِ. سنستعرض ما تناولوه من أغراض، بحسب إشارتنا أعلاه، وبذلك يظهر أهمّ أولئك الشُّعراء بواسطة أشعارهم، مع إشارات مختصرة إلى سيرهم الذَّاتيَّة في المتن أو الحواشي، بحسب مناسبة المقام.
إنّ كثرة الأشعار الدّينيّة توافقًا وانتماءَ غالبيّة الشّعراء العامليّين إلى فئة عُلَمَاء الدِّين تجعلنا نُقَسِّم الأشعار إلى نوعين: الدّينيّة وغير الدّينيّة.
أوّلًا: المدائح والمراثي الدّينيّة:
تشمل المدائح والمراثي ما هو دينيٌّ نُظِمَ في الرَّسُوْل ﷺ وأهلِ بيته، وما هو غيرُ دينيّ، من مدح العلماء، والأمراء، والإخوان، والأصدقاء، وأقربائهم، ورثائهم. سنبدأ بالمراثي الدِّينيَّة.
1- الرَّسُوْلُ ﷺ والْعِتْرَةُ في الأَشْعارِ الدّينيّة الْعَامِلِيَّة:
من الطّبيعيّ أن يكون الرَّسُوْل ﷺ محوريًّا في أشعار المسلمين. ونلاحظ اقتران ذكره ﷺ بذكر أهل البيت في أشعار الشِّيْعَة؛ فهم لا يفصلون بين الرَّسُوْل ﷺ وبينهم، يرون الرَّسُوْل ﷺ في آله، والآل فيه. وهكذا تحوّل هذا الإيمان إلى التزامٍ دينيٍّ ولائيٍّ؛ فنَظَمَ شعراؤهم القصائد في الإمامة، والولاية، والوصاية، تأكيدًا لمفهومٍ عقائديٍّ يرونه من صلبِ دينهم، وقدّموا الحجج والبراهين لإثباتِ حقّ أهلِ البيت، فَتَمَيَّزَ شِعْرُهُم بالجدلِ. وشَكَّلَ الإمام عليٌّ ظاهرةً أساسيّةً بارزةً في التّراثِ والأدب العامِلِيَّينِ لكونه رَمْزَ أهل البيتِ، وأساسهم، وأوَّلَهُم.
وقد تركّز الشِّعْر العامليّ في النّبيّ ﷺ وعِتْرَتِهِ، ونظرًا إلى كثرته سنكتفي بذكر نماذج لأهمّهم.
واللافت أنَّ بعضهم لم يمدحْ غَيْرَهُم، ولم يتوّسَّل إلاّ بهم؛ فلم يمدح البهائيّ مُلُوْكًا على الرَّغْم من تقريب بعضهم إيّاه، ولم يمدح الشَّيْخ حسن بن الشّهيد الثّاني إلاّ الرَّسُوْل ﷺ وأهل البيت. وكان أجمل نتاج الشُّعَراء العامليّين ما نظموه في الرَّسُوْل ﷺ وآلِه.
ونظرًا إلى اشتمال المديح على المبالغات غالبًا، فقد تَرَفَّعَ عنه الشُّعَراء العامليُّون أَوْ أَقَلُّوا في نَظْمِهِ.
ويرى المتفحّص للأشعار الدّينيّة الْعَامِلِيَّة غَلَبَةَ الرِّثاء عليها، بِسَبَبِ ما مرّ على أهل البيتِ من مصائب، وَوَضْعًا مُمَيَّزًا لمراثي الإمام الحسين؛ فقد كَثُرَتِ الأشعارُ الحسينيّةُ، وسطعت صُوَرُ الْحُسَيْنِ وقضيّته، نظرًا إلى مركزيّة كربلاء وَثَوْرَتِها في الفكرِ والوجدانِ الشِّيعيَّينِ خصوصًا، وفي الفكر الإِسْلاميّ والإنسانيّ عمومًا.
وكانت معظم عبارات المديح والرّثاءِ ومعانيهما تقليديَّةً مَعْرُوفَةً لدى المسلمين، ومنتشرةً في أدبهم، حتّى عصرِ النَّهْضَة، مثل سيّد الكونين، هبة الله ونوره، أكرم البشر، خير الخلق، مهبط الوحي، وغيرها.
نستهلُّ أشعارنا الدّينيّة بمدائح الرَّسُوْل ﷺ ومراثيه. واللّافت أنَّنا نَجِدُ فيه مَدْحًا كثيرًا، ورثاءً غير مباشرٍ بِوَاسِطَةِ التَّرْكيز على ما حلّ بحفِيده، والشّكوى إليه.
تُعَدُّ أشعارُ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الصُّوريّ من أقدم الأشعار الْعَامِلِيَّة الولائيّة للنَّبِيِّ ﷺ وآله (الأعيان، مج8، ص96-97):
وَالْوَلَا فَهْوَ لِمَنْ كانَ عَلَىْ قَوْلِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الصُّوْرِيْ قَسَمْ
وَأَبِيْكُمْ وَالَّذِي وَصَّىْ بِهِ لِأَبِيْكُمْ جَدُّكُمْ في يَوْمِ خُمْ
وله أبياتٌ في مدح الرَّسُوْل ﷺ وعِتْرَتِهِ باعتبارهم حملةَ أمانته الأكفاء، وقد عدَّ الإمامةَ مكمِّلًا ومُزَيِّنًا للرّسالة بما يجعلها أكثر إشراقًا، وتوسَّلَ بهم، وجادَلَ مخالفيهم بما يراه حجَّةً عليه وعليهم (مج8، ص98):
هُمُ حُـــجَّــــةُ اللهِ في أَرْضـــــِهِ وَإِنْ جَحَدَ الحُجَّة َالجاحِدُوْنا…
هُمُ الْوَارِثُــــــوْنَ عُلُــــــوْمَ النَّـبِــيِّ فَمَــــــا بَـالُكُــــم لَهُــــمُ وَارِثُـــــونا…
وله في ذكر مصائب الرَّسُوْل ﷺ وأهل بيته وأنّها أمّ الرّزايا ولا مثيل لها، تَسْلُبُهُ الفرحةَ والسَّلوى (مج8، ص96-97). وللشّهيد الأوّل محمّد بن مكّي أشعارٌ تدلّ على التزامٍ كلّيٍّ بالولاء للرّسولِ ﷺ ، ووصيّه عليٍّ، وأبنائهِ الأئمّة، منها أبياتُهُ (مج10، ص63-64):
إِنِّيْ بِحُبِّ مُحَمَّدٍ وَوَصِيِّهِ وَبَنِيْهِمَا يَا رَبِّ قَدْ عَلِقَتْ يَدِيْ…
وَامْنُنْ عَلَيَّ بِرَحْمَةٍ أَنْجُوْ بِهَا يَوْمَ الْحِسَابِ بِحَقِّ آلِ مُحَمَّدِ
ومدح الشَّيْخُ الكفعمي (ت 905ه-1500م) آل َالبيت بقصيدةٍ حافلةٍ بالمعجم القرآنيّ، واكتفى الشَّيْخ حسن بن الشّهيد الثّاني (ت 1011ه) بمدحهم دون سواهم (مج5، ص98)، وتغنّى بمدحهم ولائيًّا، مُسْتَأْنِسًا بِذِكْرِهِم فردًا فردًا، وبَيّنَ طبيعَةَ حُبِّهِ لآل البيت بأنّه التزامٌ ثابتٌ وخطٌّ أصيلٌ:
يَا آلَ أَحْمَدَ حُبُّكُمْ لِيْ مَنْهَجٌ خَلْفٌ عَنِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ
وَخَلَتْ مدائح البعضِ من عناصرِ الجمالِ الفنّيّ، والإبداعِ في الصّور والخيال، واقتصرَتْ على سردِ السّيرةِ، وتعدادِ المناقبِ والصّفاتِ المعروفة، كأشعار الشَّيْخ محمّد الحيّاني العامليّ (المائة العاشرة؟) في عليٍّ (الأعيان، م.س، مج9، ص270):
أبو الحسنين الفارس البطل الذي هُوَ الأَسَدُ الوَثَّابُ وَالْمَوْتُ أَحْمَرُ…
وَأَبْنَاؤُهُ الغُرُّ الْمَيَامِيْنُ تِسْعَةٌ مَعَ اثْنَيْنِ في الْعَلْيا شُمُوْسٌ وأَقْمُرُ..
ومن جميل مديح الرَّسُوْل ﷺ ما ورد عن البهائيّ (ت 1030ه-1622م) حيث يراه صورةَ الإله، وخلاصة الوجود، مانحًا نصَّهُ غنىً مُوْسِيْقِيًّا بتكراره اللَّطِيْفِ للنّور، والرّوح، والقلب (الأميني: الغدير، ط4، دار الكتاب العربي، بيروت، 1977م، مج11، ص277):
إِلَيْكَ جَمِيْعُ الكَائِنَاتِ تُشِيْرُ بِأَنَّكَ هَادٍ مُنْذِرٌ وَبَشِيْرُ
وَإِنَّكَ مِنْ نُوْرِ الإِلَهِ مُكَوَّنٌ عَلَى كُلِّ نُوْرٍ مِنْ جَلالِكَ نُوْرُ
وَرُوْحُكَ رُوْحُ القُدْسِ فِيْهَا مُنَزَّلٌ وَقَلْبُكَ في قَلْبِ الوُجُوْدِ ضَمِيْرُ…
وأشارتْ أشعارٌ عامليّةٌ إلى الإمامين موسى الكاظم ومحمّد الجواد، الْمَدْفُوْنَيْنِ مُتَجَاوِرَينِ في بغداد، وإلى الإمامين عليّ الهادي والحسن العسكريّ، المدفونين في سامرّاء كذلك، مثل أشعار الشَّيْخ البهائيّ الذي يتشوَّقُ لزِيارةِ مقامِهِما، ويُقَدِّسُ الأرضَ التي حوتهما، يقبِّلُها خشوعًا ويخلع نعليهِ احترامًا لمن فيها؛ إنّه أثر العشقِ والتَّقْدِيْسِ (الأعيان، مج9، ص248، والأميني، م.س، ج11، ص274):
سَرِّعِ السَّيْرَ أَيُّهَا الحَادِي إِنَّ قَلْبِي إِلَى الحِمَى صَادِيْ
وَإِذَا مَا رَأَيْتَ مِنْ كَثَبٍ مَشْهَدَ العَسْكَرِيِّ والهادِيْ…
فَاغْضُضِ الطَّرْفَ خَاضِعًا وَلَهًا وَاخْلَعِ النَّعْلَ! إِنَّهُ الْوَادِيْ
فقد شبّه أرضَ مقامهما بوادي النّبيّ موسى (ع) المقدّس؛ قال تعالى: “إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى”.
وَأكثر الشَّيْخ مُحَمَّد بنُ الحسنِ الحرُّ المشغريّ (ت 1104ه) منْ مَدْحِ الرَّسُوْل ﷺ وآلِهِ والتَّوسُّلِ بهم حيث نَجِدُ لهُ عَشَراتِ القصائدِ التي ربا بَعْضُها على أَرْبَعْمائَةِ بيتٍ (الأعيان، مج9، ص169). وللشَّيْخ علي زيني العامليّ (ت بعد 1205ه) قصيدةٌ يذكر فيها الرَّسُوْل ﷺ وأهل البيتِ، من منطلقِ الولاءِ والحبِّ لهم (الأعيان، مج8، ص328-330)، ورثى بعضَ الأئمّةِ في إطارِ رثاءِ عالمٍ.
ومن المكثرين من مديح الرَّسُوْل ﷺ والعِتْرةِ الشَّيْخ إبراهيم بن يحيى الطيّبيّ (ت 1214ه) (الأعيان، مج2، ص238-239)، وله في مدحِ الرَّسُوْل ﷺ وآلِهِ قصيدةٌ من تسعين بيتًا، معانيها المشهورُ من الصّفات التّقليديّة الدّينيّة والعربيّة، مثل “سيّد الورى”، “الملك الأصيد” (مج2، ص239):
فَثَمَّ النّبيُّ الْمُصْطَفَى سيّدُ الورى وَثَمَّ المليكُ الأصيدُ المتغطرفُ
وثَمَّ إمامُ الحَقِّ لولا وُجُوْدُهُ لما كان مَوْجُوْدٌ سِوَى اللهِ يُعْرَفُ..
مَوَدَّتُهُمْ أَجْرُ الْكِتَابِ وَحُبُّهُم وَجَدِّكَ أَجْدَى مَا حَوَاهُ الْمُكَلَّفُ….
وَمَنْ ذَا يُمَارِيْ في عُلاهُمْ وَمِنْهُمُ عَلِيٌّ وَلَا يَرْتَابُ في الْحَقَّ مُنْصِفُ
ويلهج لسانه بمدح الأئمّة التِّسْعَةَ بعد الحسين ذاكرًا لكلٍ منهم بعضَ صفاته. وله أشعار كثيرة في عليٍّ وبنيه؛ فهو عاشقٌ لذكرهم، يلتجيء إليهم عند اشتداد المعاناة والعدوان:
وما لي إذا اشتدّ العنا غَيْرُ حُبِّهِ وحُبِّ بنيهِ الطّاهِرِينَ مُرِيْحُ
ومدح أهل البيتِ في عددٍ من قصائِدِهِ في إطارِ مدحِهِ لعلماء. ومثله نَهَجَ ابْنُهُ الشَّيْخ نصر (ت 1230ه)، فمدح الرَّسُوْلَ ﷺ والعِترةَ بعد حمد اللّه، ذاكرًا أهمَّ صفاتهم الدِّينيَّة (مج10، ص212)، وجاهَرَ بولائه مُتَغَنِّيًا بِحُبِّهِ لِلْأَمِيرِ؛ فَطِيْنَتُهُ جُبِلَتْ بالولاءِ لعليٍّ أميرِ النّحلِ ووصيّ الرَّسُوْل ﷺ (مج10، ص210):
لا تَقْتُلُوْنِيَ عَمْدًا إِنَّنِي رَجُلٌ عَلَى وَلَاءِ أَمِيْرِ النَّحْلِ مَجْبُولُ
ورأى الْتِزَامَ الوَصِيِّ وحُبَّه سببًا من أسبابِ نجاتِهِ وجوازه الصّراط يوم الحِسابِ بأمانٍ (مج10، ص211).
وأكّد السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن موسى الأمين (ت 1249ه) على الولاءِ للرّسولِ ﷺ وآله، والتزامه جانبهم ما سبّب له الكره والعداء، فانبرى يجادل فيهم فِئَةً مُعَانِدَةً لَئِيمةً وجاهلةً (مج8، ص324):
وَبُثَّ لَهُمْ حُزْنِي فَإِنِّي بِحُبِّهِمْ أُجَادِلُ أَقْوامًا لِئامًا ذَوِي جَهْلِ
واستغاث بالرَّسُوْل ﷺ وناجاه، وتوسَّل بِهِ، وبوَصِيِّهِ وابنِ عَمِّهِ، وبقيّةِ آل البيتِ، كهوفِ الأمانِ، مفتخرًا بتربيةِ والديه له على حبِّهم حبًّا جمًّا، كبقيَّة شعراء أتباع أهل البيت ومحبِّيهم، وكرَّر ذلك، وخصَّ الزَّهْراء “بضعة المختار” راجيًا شفاعتها وشفاعة أبيها (مج8، ص323)، وذَكَرَ أيّامَ الغار، والغديرَ، والاستسقاءَ. وله مناجيًا الرَّسُوْل ﷺ ، وأهل بيته، وفاطمةَ، وَعَلِيًّا، كما في مُعْظَم قصائده (مج8، ص323):
أَلَا يَا رَسُوْلَ اللهِ…وَيَا بَضْعَةَ الْمُخْتَارِ فَاطِمَةَ…
أَجِيْبا دُعَا عَبْدٍ وَكُوْنا لِذَنْبِهِ شَفِيعَيْنِ إِذْ لا مَالَ يُنْجِي وَلا وُلْدُ
وممَّن مدح الرَّسُوْل ﷺ وآله الشّاعر الشَّيْخ علي مروّة (ت 1280ه) (مج8، ص202):
حُبُّ النَّبِيِّ وَآلِهِ دِرْعٌ حَصِيْنٌ وَاقِيَة…
وله فيهم مدائح (مج8، ص202) يثبت فيها آياتٍ قرآنيّة في مدحِ أهلِ البيتِ وَحَقِّهِمْ، وما قاله الرَّسُوْل ﷺ فيهم. وتابع العلماء العامليُّون على المنوال نفسِه، ومنهم الشَّيْخَ عليّ زيدان المعركيّ (ت 1289ه) (الأعيان، م.س، مج8، ص364)، والشَّيْخ علي السّبيتي الكفراوي (مج8، ص306)، والمكثِر السَّيِّد كاظم بن أحمد الأمين (ت 1303ه) (مج8، ص458-475) القائل في أهل البيت:
أَئِمَّةَ حَقٍّ أُشْهِدُ اللهَ أَنَّنِي أَرَى حُبَّهُمْ دِيْنًا وَبُغْضَهُمْ كُفْرا…
حيث نرى التأَثُّرَ الواضح بمضامين الأحاديث الشّريفة التي يعتقد أتباع أهل البيت بِصِحَّةِ نسبتها إلى الرَّسُوْل ﷺ ؛ كما في قوله “أَرَى حُبَّهُمْ دِيْنًا وَبُغْضَهُم كُفْرًا” والمأخوذ من حديث “يا عليّ، لا يُحِبُّكَ إلاّ مؤمنٌ، ولا يُبغِضك إلاّ منافقٌ” (الثَّقفي، إبراهيم بن مُحَمَّد: الغارات، ج3، ص208، والمجلسيّ، محمد باقر: البحار، ج39، ص297، والعسقلاني، ابن حجر: فتح الباري، ج1، ص27، وسليمان بن محمد اللهيميد: عمدة الأحكام، ج1، ص16). ولم يترك السيد مجالًا متَّصلًا بأهل البيت وقضاياهم إلّا وطرقه، ونافح فيه واستدلَّ مضافًا إلى إظهار عواطفه وحبِّه للرَّسول ﷺ ولهم (الأعيان، م.س، مج8، ص462).
لقد قدَّسَ العامليّون الشِّيْعَةُ رسولَ اللّهِ ﷺ وآلَ بيته، ورَأَوْهُم نُوْرَ الإِلَهِ في الوجود؛ لذا لَهِجُوا بذكرهم، وَعَشِقُوا ثَرَى الأَرْضِ الذِي ضَمَّ أجداثهم الطّاهرة. فكان من الطّبيعيّ أنْ يمدحوهم ويرثوهم في أشعارهم الدينيّة مازجينَ بين مشاعر الحبّ والولاء، والحزن والعزاء في لوحةٍ واحدةٍ؛ لذا يمكن دراسة المراثي والمدائح معًا، مع الإشارةِ إلى كُلِّ غرضٍ بما يقتضيه المقام.
ولكنّ الإمعان في تفصيل مصائب أهل البيت لم يَحُلْ دون ذِكْرِ إِبائِهِم، وبطولاتهم، وإقدامهم في الميدان؛ فَقَدَاسَةُ قضيّتهم وصدقُهُم امتزجا بنهر عذابهم، وتضيحاتهم، ودمائهم (مج8، ص462، وص471).
ومن قافلة المادحين العامليَّة السَّيِّدُ صدرُ الدِّين محمَّد شرف الدين (ت 1263ه) (مج9، ص373)، والشَّيْخ عبد الكريمِ الزّين (ت 1360ه) (مج8، ص35-39)، والشَّيْخ قاسم بن الشَّيْخ حسن محيي الدّين (ت 1376ه) الذي افتتحِ أغلب شعره بالغزل، وأنهاه بمدح آل البيت أو برثائهم (مج8، ص435). وفي حين أَنَّ الغزلَ يصلُحُ مقدّمةً للمديح، نراه قد جمع بينه وبين الرّثاءِ، وهما غير متآلفِين؛ وهذه ظاهرةٌ جديدةٌ وفريدة.
ومن مادِحِي الرَّسُوْل ﷺ وآلِهِ، السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بن أمين بن علي الأمين (ت 1360ه) (مج9، ص133)، والسَّيِّد حسن الأمين (1368ه) (مج5، ص283-304)، والشَّيْخ عبد الكريم صادق (ت 1384ه) (مج8، ص34).
والملاحظ أنَّ المعاني، والألفاظَ، والتّعابير المتقاربة تتكرَّر في أشعار التَّوسُّل والمديح للرَّسول ﷺ وآله، وأنَّ مدائح الرَّسُوْل ﷺ الْعَامِلِيَّة منتشرةٌ في أشعارهم في كلّ العصور.
2- الإمام عليّ في الأَشْعارِ الدّينيّة الْعَامِلِيَّة:
تَرَكَّزَتْ مُفْرَدَاتُ مَدِيْحِ الإِمَامِ عَلِيٍّ (ع) في الشِّعر العامليّ نعوتًا ومناقبَ رُدِّدَتْ باستمرارٍ منذ عهده، كعَلَمِ الهُدَى، ومنارةِ الإيمان، وصهر الرَّسُوْل ﷺ ، وأخيه، وخليفته، ووصِيّه، وتشبيهه بالمتداول في كلام العرب، وذكر الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة التي يعتقدون بنزولها أو ورودها في حقّه.
وينقسم مادحو الإمام إلى فئتين: فئةٍ كبيرةٍ سَرْديّةٍ تعدّد مناقِبَهُ بأحاديثِ النّبيّ ﷺ وسلوكِ الإمام العمليِّ عِلْمًا، وجهادًا، ومواقفَ، وفئةٍ قليلةٍ معياريَّةٍ تركّز على قيمتهِ القياديَّةِ، والكفاءات الهائلة التي يمتلكها، وَتُؤَهِّلُهُ لِقِيادَةِ الأمّة، والعروجِ بها إلى مراتبِ العُلَى والكمال.
واللافِتُ في مُعْظَم مدائحِ عَلِيٍّ أنّها أعطت للعنصرِ القتاليّ الجهاديّ وزنًا راجحًا على العناصِرِ الأخرى. سنكتفي بتقديم بعض الشَّواهد من مراحل مختلفة، ثمَّ نعدِّد أهمَّ علماء جبل عامل الذين تناولوه وقضاياه؛ نبدأ بأقدم شواهدنا الْعَامِلِيَّة، مع عبد المحسن الصّوريّ المادح عليًّا، والقائل في يوم الغدير (مج8، ص98):
أَبَا حَسَنٍ تَبَيَّنَ غَدْرُ قَوْمٍ لِعَهْدِ اللهِ منْ عَهْدِ الغَدِيْرِ
وَقَدْ قَامَ النَّبِيُّ بِهِمْ خَطِيْبًا فَدَلَّ الْمُؤْمِنِيْنَ عَلَى الْأَمِيْرِ
والمشيرِ إلى مبيتِ عليٍّ في فراشِ النّبيّ ﷺ ليلة هجرته، وإلى حديث الطّائر المشويّ.
ومدح الشَّيْخ الكفعمي (ت 905ه-1500م) الأميرَ، ورَبَتْ بَعْضُ قَصَائِدِهِ في عَلِيٍّ عَلَى المائَةِ وَتِسْعِيْنَ بَيْتًا، مطلع إحداها بمناسبة يوم الغدير (مج2، ص188):
هَنِيْئًا هَنِيْئًا لِيَوْمِ الْغَدِيْرِ وَيَوْمِ الحُبُوْرِ وَيَوْمِ السُّرُوْرِ
مؤكّدًا فرحَتَهُ بيوم الغدير عيدًا يؤكّد ولاية عليٍّ على الأمّة، وأُنْسَهُ بترديد أيّام عليٍّ وترجيع صداها، مُنْتَقِلًا إلى مدحِهِ بالقرابة من رسول الله ﷺ ، مُرَكِّزًا على مفهوم الوصاية:
عَلِيُّ الوَصِيُّ وَصِيُّ النَّبِيِّ وَغَوْثُ الوَلِيِّ وَحَتْفُ الْكَفُوْرِ
ثُمَّ يُعَدِّدُ صفحاتٍ من جهاده، وبطولاته، وشجاعته في الذّودِ عن حياضِ الإِسْلام، منتقلًا بعدها إلى زهدِهِ، وكراماته، وما نزل في القرآن بحقّه، ويمدح أهل بيته، ليقف طويلًا عند المهديّ مخلّصًا ومنتظرًا، ومليًّا بانفعالٍ وخشوعٍ عند الحسينِ، خاتمًا بالصّلاةِ على الرَّسُوْل ﷺ وآله.
وركَّزَ أكثر العامليّين في مدائحهم لعليٍّ على قرابَتِهِ من رسول الله ﷺ ، وعلى مناقبِه كافّةً؛ فقد أَكْثَرَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن الحسن الحرّ المشغريّ (ت 1104ه) مِنْ مَدْحِه عليًّا بعلمه وشجاعته (مج9، ص169)، وأكَّدَ الشَّيْخ إبراهيم الحاريصي (ت 1185ه) على الوِصَايَة، والأعلميّةِ، والشّجاعةِ، والقرابةِ (مج2، ص121)، ومدحه الشَّيْخ إبراهيم بن يحيى (ت 1214ه) الطيّبيّ بعدّة قصائد (مج2، ص240)، أظهرَ فيها حُبَّهُ الجمّ للإمامِ، إذ يَجْعَلُ قبره في قلبِهِ، جزءًا من أحشائِهِ وروحِهِ، وهي فكرةٌ بديعةٌ وجميلة، ويؤكّد على نجاةِ المؤمنِ بهِ، وعلى إمامَتِهِ بالنَّصِّ القرآنيّ. كذلك تبعه ابنه الشَّيْخ نصر فمدحه (مج10، ص210).
ويسلكُ دربَ مدائحه كلّ العلماءِ العامليّين، يظهرُون حُبّهُمْ للأميرِ في سبائكِ أشعارهم () بأنماطٍ متقاربةٍ من المعاني والأفكار؛ فهذا الشَّيْخ عبد الكريم الزَّين (ت 1360ه) يمدحُهُ بالفضائل المعروفة، مثل مبيته على الفراش، وخوضه المعارك الإِسْلاميّة الأولى، ومعارك صفِين، والجمل، والنّهروان، وذكر الآيات الواردة بحقّه، ثُمَّ يستعمل المنطقَ الحجاجيّ مستنكرًا اجتهاد البعضِ في مقابل النّصوص الواضحة (مج8، ص37):
مَنَاقِبٌ كُلُّها جاءَ الدَّلِيْلُ بِها مُسَلْسَلًا عَنْ أَخِيْهِ خَاتِمِ الرُّسُلِ
إِنَّ الأُلَى اجْتَهَدُوا قِدْمًا بِرَأْيِهِمُ أَنَّى يَسُوْغُ لَهُمْ وَالنَّصُّ فِيهِ جَلِيْ…
وَقَرَنَ البَعْضُ في مدحهم بين عليٍّ وفاطمة في أكثر من تناسبٍ أو تركيب؛ فعلى سبيل المِثال يجعلُ عبد الكريم صادق (ت 1384ه) أحدهما كرامةً وفخرًا للآخر (مج8، ص35):
وَمَنْ بِالطُّهْرِ فاطِمَةٍ حَبَاهُ رَسُوْلُ اللهِ وَهْيَ بِهِ حَباها
ومن مادِحِيْهِ الذين خرجوا على النّمطِ التّقليديّ ناظرين إلى الإمام عنوانَ رسالةٍ، ومسيرةٍ، ومبادىءٍ للحياةِ الكريمة الواعية نذكر عبد المطَّلِب الأَمِيْنِ (ت 1394ه) القائل (مج8، ص111):
إِنَّا رَعِيْلُ عَلِيٍّ مِنْ رِسَالَتِهِ وَفي مَبادِئِهِ تَعْلُو نَواصِيْنا
نَهْجُ البَلَاغَةِ دُسْتُوْرٌ لِحِكْمَتِنا وَذُو الفِقَارِ شِعَارُ لِلإِبا فِينا
وَيَتَمَيّزُ بعضُ المدائِحِ العَلَوِيَّةِ بالْمُبالَغَةِ والاقترابِ من الغُلُوّ في بعض الأحيان. أمّا خصائصها الأسلوبيّة والبلاغيّة، فهي شبيهةٌ بالقصائد العربيّة التّقليديّة،
3- الزّهراء في الأَشْعارِ الدّينيّة الْعَامِلِيَّة:
ذكرت الزّهراء دومًا في سياقٍ متّصلٍ بأبيها ﷺ ، وبعلها، وبنيها، في لوحاتٍ تمزج الرّثاء بالمديح، بل لم يَنْفَصِلْ رثاؤها عن ذكر مصاب ولدها الحسين. فما أحزنَ أتباعهم ومحبّيهم في تفاصيلِ موتهم أو قتلهم يثير مشاعر تعظيمهم بمنزلتهم، ودورهم الرّساليّ، ومواقفهم البطوليّة من أجل استنهاض الأمّة وتحريرها من الظّلم والظّلام؛ فَيُصْبِحُ ذِكْرُهُم وتذكّرهم مدعاةً للفخرِ بهم ومدحِهِم بأفضل ما تجودُ به القرائحُ والألباب، مقرونًا بِفَيْضِ الوجدانِ حبًّا بهم وتأثُّرًا بمصائبهم دموعًا ومشاعرَ صدقٍ جَيَّاشَةً.
والْمُتَقَصِّي لِلْأَشْعارِ العامليَّة الوارِدَةِ في الزَّهْراءِ يلاحظ عدّةَ مِيْزَاتٍ جامعةٍ، أهمُّها أنّها تركّزُ على المصائبِ التي حلّتْ بأهلِ البيتِ، من وفاةِ الرَّسُوْل ﷺ ، وما حدثَ من جدالٍ في حضرَتِهِ قبيلَ عُرُوْجِ روحه المقدَّسَةِ إلى باريها، ومِنْ تَلَكُّؤٍ في تنفِيذِ أوامرِهِ بإنفاذِ بعثِ أسامة بن زيد، أو منعِ ابن عمّهِ عليٍّ من الخلافة المباشرة للرّسول ﷺ ، إلى اغتصاب نحلتها فدك، ومنعها من وراثةِ أبيها ﷺ ، كما تركّز على تأذّيها بعد رحيلِه ﷺ ، وشكواها من بعضِ الصّحابةِ، وعلى مضامين خطبتيها المشهورَتَيْنِ في مسجدِ النّبيّ ﷺ أمامَ الخليفةِ والأنصار. وتؤكّد أشعارُهم على الأحاديثِ الواردةِ في حقّها وفضلها، وبالأخصّ الحديث الشّريف: “فاطمةُ بضعةٌ منّي، يرضى اللّهُ لِرِضاها، ويَغْضَبُ لِغَضَبِها، مَنْ آذاها فقد آذاني” (المفيد: الأمالي، قمّ، 1413ه، لا ط، ج1، ص164، المجلسيّ: بحار الأنوار، ط2، مؤسسة الوفاء – بيروت، 1983م، ج21، ص279، وغيرهما)، وتَبْنِي مضامينها على الأخبارِ الغيبيّةِ، مثل معرفةِ الرَّسُوْل ﷺ ، والزّهراء، وعليّ بما سيجري على الحُسين من قتلٍ، وعلى الحسنِ من خِذْلانٍ وتَسْمِيمٍ، فَيَتَخَيَّلون أحوالهم النّفسِيّةَ، وينظمون مواقفهم بلسانِ أحوالهم بناءً عليها.
وتبدو فاطمة الزَّهراء في أشعار العاملِيّين كأنّها اللّؤلؤةُ المتوسّطةُ في العِقْدِ ما بين أبيها ﷺ ، وبعلها، وبنيها، ومصائبهم، وخصوصًا عند ذكرِ مُصِيْبَةِ الحسين يوم عاشوراء؛ فهي أشعار رثاءٍ، وقعها أليمٌ، ونَغَمُها حزينٌ، بل إنّ أشعار مدح الزّهراء – وهي نادرةٌ – سرعان ما تنقلب إلى أجواء الحزن، والعزاء، والمصائب.
نقَدِّمُ بعضَ الشّواهد من أشعار العامليّين المحبّين لفاطمة بنت محمّد ﷺ من عصورٍ مختلفةٍ.
هذا الشَّيْخ الكفعميّ (ت 905ه) يمدح عَلِيًّا بيوم الغدير، ثُمَّ يذكرها بقوله:
وَغَيْثُ الْمُحُوْلِ وَزَوْجُ الْبَتُوْلِ وصِنْوُ الرَّسُوْل السِّراجِ الْمُنِيْرِ
كما يذكرونها لدى مدح سيّدٍ ينتمي بنسبه إلى آل الرَّسُوْل ﷺ ؛ فعلى سبيل المثال يقول الشَّيْخ علي زيني العامليّ (ت بعد 1205ه) في قصيدة مدح السَّيِّد مَهْدِي بَحْرِ العُلُوْمِ الطَّباطَبَائِيِّ (مج8، ص328):
إِلَيْكَ ابْنَ الْبَتُوْلِ الطُّهْرِ أَشْكُو هُمُوْمًا أَشْرَقَتْنِي بِالدُّمُوْعِ
ومن أشعار السَّيِّد كاظم الأمين (ت 1303ه) في الزّهراء (مج8، ص469) ذاكرًا بعض ما أوردناه آنفًا:
هذا وَعَمّا بِأَهْلِ البَيْتِ حَلَّ مِنَ الْــــ – خَطْبِ الْمُبَرِّحِ والبَلْوَى فَلا تَسَلِ…
غَدَاة أَقْبَلَتِ الزَّهراء تَطْلُبُ ما قَضَى لَها اللهُ مِنْ إِرْثٍ وَمِنْ نِحَلِ
ورُبَّ دَمْعٍ لها مِنْ بَعْدِ ذاكَ جَرَى عَلَىْ قَتِيْلٍ بِأَرْضِ الطَفِّ مُنْجَدِلِ
وخصّ الشَّيْخ عبد الكريم صادق (ت 1384ه) الزَّهْراء بـــ”القصيدة الفاطميَّة” (مج8، ص35)، ذات المفردات الفصيحة، والتَّراكيب البليغة، ملخِّصًا قضيّةَ فاطمةَ في العقلِ والوجدانِ الشِّيعِيَّيْنِ. وتميّزَ أسلوبها بالتّنوّعِ بين الخبر والإنشاء من تعجّبٍ، واستفهامٍ، ونداءٍ، وندبةٍ، وبكثرة الاستعارات والكنايات، التي بيّنت حالها، ووصفت ما جرى عليها. مثال: “البُوْمُ بَعْدَكَ أَكْثَرَتْ تَنْعابَها” كناية عن كثرة البكاء والنعيب لكثرة المصائب والأحزان.
ومدحها السَّيِّد مُحَمَّد جواد بن عبد الرّؤوف فضل الله (ت 1395ه) في ذكرى ميلادها (مج9، ص209-211):
حَسْبُها أَنَّ رِضَاهُ مَدَدٌ مِنْ رِضاها، وَرِضَاها مُبْتَغَانا…
4- الإِمام الحسن بن عليّ في الشِّعْر العامليّ:
قليلةٌ هي القصائدُ التي تَخْتَصُّ بِمَدْحِ الإِمامِ الحَسَنِ ورثائه؛ فنجد مدحَهُ ورثاءه في إِطَارِ أَهْلِ البَيْتِ عمومًا. ذَكَرَهُ أدباء جبل عامل، وتغنّوا بمولده، ونسبه، ومنزلته من رسول اللّه ﷺ ، مركّزين على دوره وموقعه الدّينيّ بين المسلمين.
يدعو السَّيِّد محمد الجِزِّيْنِيّ (ت 1085ه) إلى مدح الرَّسُوْل ﷺ ، وعليٍّ، والحَسَنين التزامًا بنهجهم وطريقًا إلى النّجاة، ثُمَّ يذكر مظلوميّة الإمامين تسميمًا وإلغاءً بالقتل (مج9، ص412):
وَالْحَسَنِ الْمَسْمُومِ ظُلْمًا والحُسَيْنِ السَّيِّد السِّبْط شهيدِ كَرْبَلا
ويمدح الشَّيْخ إبراهيم بن يحيى الطّيبي (ت 1214ه) الإمام الحسن خليفة عليٍّ وباب النّجاة لمن والاه حقًّا في قصيدةٍ طويلةٍ ذكر فيها أهل البيت، كلًّا بما يناسبه من مديحٍ أو رثاءٍ (مج8، ص239):
وقد احْتار الشُّعَراءُ ما بين مدحه ورثائه، ما بين الاحتفاء بذكرى ولادته وتذكّر ما جرى عليه من غدرٍ، ومصائب، فَيَقِفُون بينها ذاهلين، كما جرى للسيد مُحَمَّد جواد فضل الله (ت 1395ه) (مج9، ص210):
يا سَيِّدِي! ذِكْرَاكَ سِرٌّ مُلْهِمُ يُوْحِيْ بِقَلْبِي الخَاطِراتِ وَيُلْهِبُ
أَنَا في بَيَانِيَ حَيْرَةٌ. هَلْ إِنَّنِيْ أُطْرِي رُؤَى الميلادِ فِيكَ وَأُسْهِبُ؟
أَمْ أَعْرِضُ الْمَأْسَاةَ يُذْكِي نَارَها غَدْرٌ وَيَحْكُمُ مَدَّهَا مُتَقَلِّبُ؟…
ثُمَّ يستعرضُ ما جرى من مؤامراتٍ وخياناتٍ وتفرُّقٍ عنه؛ فَصَالَحَ حَقْنًا لِلدِّمَاءِ، وَكَشْفًا لِلمخادِعين، وتبيانًا للحقائق، ولزيف الحكم الأموي، وسيطرة الضّلال، وعودةَ شعارات الجاهليَّةِ.
إِنَّ العامليّين يَنْظِمُوْنَ مَضَامين الآيات القرآنيّة والأحاديث الشّريفةِ الواردةِ في الإمام الحسن بحسبِ اعتقادِهِم مدحًا، ودورًا، وموقعًا (مثلًا: أحاديث “حسينٌ منّي وأنا مِن حُسَين”، “أحب اللّه من أحبّ حسينًا”، “الحسن والحسين سيّدا شبابِ أهلِ الجَنّةِ”، و”الحسن والحسين ريحانتاي”، و”الحسن والحسين إمامانِ قاما أو قعدا”، وغيرها)، ويمزجون رثاءه بمديحِهِ. ويَرْبِطُ معظَمُهُم بين ما جرى للإمامِ مع الأمّةِ ومع معاوية، واضطراره لعقدِ الصّلح، وبين ظُروفِ الحسينِ، وَثَوْرَتهِ، كما أكَّد على ذلك مُحَمَّد جواد فضل الله:
هَزَّ الحُسَيْنُ كِيَانَهَا بِشَرَارَةٍ مِنْهُ تُفَتِّتُ مَجْدَها وَتُشَطِّبُ
الذي ينتقل إلى مآسي الأمّة الدائِمَةِ، وأعظمُها في عَصْرِنا مأساة فلسطين، رابطًا واقعنا المرير بالانحراف التّاريخيّ عن أولي الأمر الحقيقيّين، والقادة الرّبّانيّين الحريصين على الأمّة، ومصالحها، وسعادتها في الدُّنيا والآخرة:
أَوْرَتْ بِنَا لِلذُّلِّ أَقْسَىْ مِحْنَةٍ فِيْهَا فِلَسْطِيْنُ الْجَرِيْحَةُ تُخْضَبُ
5- الإمام الحسين والشّعر الدّينيّ: رثاءٌ وبكاءٌ وأنين:
يجد المتفحّص للأشعار الشّيعيّة ندرة الأشعار المادحة للإمام الحسين؛ ومردّ ذلك إلى النهاية الدّمويّة لحياته بالشّهادة، وإلى نهر الدّم المضحّي الذي سال قُبَيْلَ عروج روحِهِ إلى اللّه، فَصَبَغَ صُوْرَتَهُ في عقول أبناء الأمّة، وضمائرِهِم، ووجدانِهم بلونِ السّواد، والحزن، والبكاء بسببِ المشاهدِ المؤلِمَةِ التي ارتكبها جيشُ النّظامِ بحقِّ رَكْبِ الحسينِ، في معركةٍ غيرِ متكافئةٍ، وما تلاها مِنْ تَمثِيْلٍ بِالجثث، وقطعِ الرُّؤُوْسِ، وإيْذاءِ النِّساءِ والأطفال، وإرعابهم، وسبيهم، ومعاملتهم معاملةً أَسْوَأَ مِنْ معاملة أسارى الكفّار والمشركين. وكان لذلك الأثرُ البَيِّنُ في أشعار العامليِّين بل في أَشْعار الشِّيْعَة عُمُوْمًا.
من هنا نرى غلبة قصائد الرِّثاء في الإمام الحسين على المدح؛ لأنّ المدح لا يَتَناسَبُ وقضيَّةَ الحُسَينِ لا شَكْلًا، ولا مَضْمُونًا. ولِلأسبابِ نَفْسِها نرى أَنَّ مَنْ يَمْدَحُ الحُسَيْنَ يَمْدَحُهُ في معرضِ الرِّثاءِ غالِبًا. فالجوّ السّائد في القصائد الحسينيّة هو التّفجّع والحزن؛ فَعِنْدَ ذِكْرِ الحُسَيْنِ تُذْكَرُ مصيبتُهُ ومعجمُاها اللّفظيّ والمعنويّ من الإباء، والشّجاعةِ، والفِداء، والتّضحيةِ، والإيثار، والصّبر، والوفاء، والعَطَشِ، والغُرْبَةِ والوَحْدَةِ، وذَبْحِ الأطفالِ الرُّضَّعِ، والسَّبْيِ، والحرق، والدَّوْسِ بِحَوَافِرِ الخُيُوْلِ على أجسادِ الأبطالِ الشُّهَداء، حتّى ولو كان السّياق مدحيًّا.
ولو تَصَفَّحْتَ أشعارَ الشِّيْعَة وَدَوَاوِيْنَهُمْ، فَلَنْ تَجِدَ شاعرًا لم يرثِ الحسينَ، وَصَحْبَهُ، ولم يذكر كربلاء. وقد أكّد عاشقو الحسينِ من الشّعراءِ على مناقِبِهِ، وعلى رابطةِ النَّسَبِ والقرابةِ من الرَّسُوْل ﷺ ، وفاطمة “أمِّ أبيها”، وعليٍّ، والحسنِ سيّدِ شباب أهل الجنّة، وعلى الأحاديث النّبويّةِ الشّريفة الواردة في حقّه وحقّ أخيه. ويطغى المعجم اللفظيّ الإسلاميّ عمومًا، والشّيعيّ خصوصًا على كلّ القصائد الْعَامِلِيَّة الحسينيّة.
مِمَّنْ ذكروا الحسينَ في قصائد عديدةٍ الشَّيْخ إبراهيمُ بن يحيى الطّيبيّ (ت 1214ه)، وهو يؤبِّنُهُ ثُمَّ يرثيه في قصيدةٍ تمدح الرَّسُوْل ﷺ والعِتْرة (مج8، ص239):
حُسَيْنٌ حُسَامُ الدِّيْنِ وَابْنُ حُسَامِهِ وَعَامِلُ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ الْمُثَقَّفُ
هُوَ السَّيِّدُ الْمَقْتولُ ظُلْماُ وَرُبَّما أَصَابَ الرَّدَى شَمْسَ النَّهَارِ فَتُكْسَفُ
والمتأمّل للأشعار الشّيعيّة يرى ربطًا لكلّ ما له علاقةٌ بكربلاء بالإمامِ الشَّهِيْدِ؛ فإذا مات أحدهم في كربلاء ورثاه النّاس يحضرُ في القصائِدِ الحسينُ، ودماؤُهُ، وإِباؤُهُ حضورًا قَوِيًّا يُشِيْرُ إلى التزامٍ ثابتٍ يُرى في كثيرٍ من مواقف الحياة. قال عبد المطّلب الأمين في رثاء قريبٍ ماتَ في كَرْبَلاء:
مِنْ كَرْبَلَا انْطَلَقَتْ شَرَارَةُ مَجْدِنَا وَبِكَرْبَلَاءَ فَقِيْدُنا الْمُسْتَشْهَدُ…
بِالتَّضْحِيَاتِ وَبِالدِّمَاءِ تُرَاثُنَا وَمِنَ الشَّهَادَةِ مَجْدُنا وَالسُّؤْدَدُ
تَارِيْخُنَا الدَّامِيْ سِجِلٌّ حَافِلٌ بِالْمَكْرُماتِ نُعِيْدُهُ وَنُرَدِّدُ…
فقد أثار الشَّاعِر قضيّة كربلاء بما فيها من تضحياتٍ، ومواقف مشرّفةٍ أضحت مدعاةَ فخرٍ واعتزازٍ لأتباعِ الحسين وَمُحِبِّيْهِ، وغدا دربُ الحسينِ منارةً للثّائرين عبر التّاريخ، يسطّرون صفحاته بمدادِ دمائهم. هذا الوَلَهُ بذكر عالَمِ الحسين يشير إشارةً قويّةً إلى أنّ قضيّة الحسين أكبر من قضيّةٍ إنسانِيَّةٍ يتفاعل معها الوجدان والضّمير الحيّ، بل هي عنوانُ إيمانٍ واعتقادٍ؛ فالحسين وقضيَّتُهُ أمرانِ مركزيَّان في الفِكْرِ والتُّراث الشِّيْعِيّين.
وتتميّز أشعار الرّثاء الحسينيّ الْعَامِلِيَّة التي وصلنا إليها منذ القرن الرّابع الهجريّ وحتّى أواسط العصرِ الحديث بعدم اختصاصها بموضوع الحسين، بل تعدّدت مواضيعها في الأغلبِ الأعمّ؛ فشملت مدح جدّه ﷺ ، وأبيه، وأمّه، وأهل بيته، أو تعزيتهم، وحِكَمًا، وسيرةً، واستدلالًا على أحقّيّتهم، وتقريعًا لأعدائهم وقاتليهم؛ فلا فصلَ بينَ الرَّسُوْل ﷺ وأهلِ بيته (مج8، ص239)، كما فعل الشُّعَراء المشايخ أحمد بن خاتون العامليّ (ت بعد 1011ه) (مج2، ج5، ص584)، وإبراهيم الحاريصي (ت 1185ه) (مج2، ج5، ص121)، وإبراهيم بن صادق المخزوميّ (ت 1284ه)…وقد رآهم أتباعُهُمْ عنوانًا واحدًا. وفي الحِقْبَة الممتدّة منذ رحيل السَّيِّد محسن الأمين إلى يومنا هذا بدأنا نشهد القصائد آحاديّة الموضوع، المختصّة بالحسين، وكربلاء، وما يتّصل بها، تأثُّرًا بمدارسَ أدبيّةٍ حديثةٍ باعتماد وحدة الموضوع في القصيدة.
بقي أن نشِير إلى أنّ معظم القصائد الْعَامِلِيَّة الحسينيّة حتّى بدايات عصرِ النَّهْضَة تصدّت لقضيةِ الحسينِ، وكربلاء، والشّهادة بطريقةٍ سرديّةٍ تصف مشاهد المأساة، وترسم لوحاتِ الحصار، والتّعطيشِ، والشَّجاعة، والإهانات، وسبي النّساءِ والأطفال. ولم تظهرِ القراءة الثّوْريّةُ النَّهْضَوِيَّةُ النّاظِرَةُ لديناميّة التّاريخِ والحَضَارَةِ إِلاّ مؤخّرًا، كما سنرى في أَشْعار الشَّيْخ عبد الحسين صادق، والسَّيِّد مُحَمَّد جواد فَضْلِ اللهِ، وغيرهما.
وفي الآتي سنقتصر على إيراد بعض النّماذج من أشعارِ العامليّين الشِّيْعَة من مراحلَ مختَلِفَةٍ، لنُكَوِّنَ معًا صورةً أكثرَ تفصيلًا عمّا ذكرناه للتّوّ.
فهذا الشَّيْخ الْكَفْعَمِيُّ (ت 905ه) الذي فاتته نُصْرَةُ الحسين الشّهيد يتمنّى لو يدفن بجوار قبره ليحظى بالأمن والطّمأنينة دنيًا وآخرةً، فَيَقُول (مج2، ص187):
سَأَلْتُكُمْ باللّهِ أَنْ تَدْفِنُوْنِي إذا مِتُّ في قبرٍ بِأَرْضِ عَفِيرِ
ورثاه الشَّيْخ أحمد بن خاتون العَيْناثِيّ (كان حيًّا سنة 1011ه)، بقصيدةٍ متعدّدة الأَغْرَاضِ، ركّزَ فيها على النّسب المقدّسِ، وعلى عنصر المأساةِ الْمُذْرِفِ لِلدُّمُوع، ضمّنها حكمًا، ومواعظَ، ومَدْحًا للرَّسُولِ ﷺ بلغ أكثر من نصفها: إِذَا أَتَىْ عَشْرُ عَاشُوْرٍ يَفِيضُ لَكَ الطْـــ – ــطَرْفُ القَرِيْحُ بِدَمْعٍ مِنْهُ مُنْسَجِمِ (مج2، ص584-585). ورثاه الشَّيْخ إبراهيم الحاريصيّ العامِلِيّ بقصيدةٍ حوت مطلعًا حزينًا، ومدحًا للرّسولِ ﷺ وآله، ودفاعًا عن حقّهم، وهجومًا على أَعْدائهم، وختمت برثاء الإمام الحُسَيْن، وَوَصْفِ بطولاتِهِ، مُضِيْفًا بُعْدًا دِيْنِيًّا للمأساة (مج2، ج5، ص121). ومن المراثي الجَمِيْلَةِ قصيدة للمولى أبي طالب بن الشّريف أبي الحسن الفتونيّ العامليّ (مج2، ص366، وص181):
هَلّا بَكَيْتَ السِّبْطَ سِبْطَ مُحَمَّدٍ نَجْلَ البَتُولِ السَّيِّد المِفْضالا
بِأَبِي إِمَامًا لَيْسَ يُنْسَى رُزْؤُهُ في النَّاسِ مَا بَقِيَ الزَّمَانُ وَطَالا
إِنَّ المعاني ليست جديدة، لكنّ الإيقاعَ والنَّغَمَ يمتازان برونقٍ خاصّ، وكأنّ المدَّ في آخر الأبيات ورويَّ اللّامِ المطلقة – إيحاء بالنّفي: لا- يحكيان رفضَ الشَّاعِر لما جرى على الحسين في كلّ بيتٍ، وفي كلِّ لحظة. ووُفِّقَ الشَّاعِر في استدرار الدّموعِ حزنًا ووجدًا على الحسينِ بأساليب التّحضيضِ (هلّا)، والتّلهّف (لهفِي)، والحال مفردةً وجملةً.
وللشّيخ إبراهيم بن يحيى الطَّيبيّ قصيدة في رِثَاء الحسين بعد مدحهِ مركّزًا على القضايا الإنسانيّة في عاشوراء، من منعِ الماءِ إلى مشهد المأساةِ الحافِلِ بالدّماءِ والقتلى، إلى مفهوم الغربة والوَحْدَة (مج2، ص239). ولهُ راثيًا الحُسَيْنَ مشيرًا إلى الرّابِطِ النّسبيّ بالرَّسُوْلِ ﷺ ، والغربةِ، وعنصرِ الفاجعة الْمُحْزِن (مج2، ص240):
بِنَفْسِيَ أَقْمارًا تَهَاوَتْ بِكَرْبَلا وَلَيْسَ لَها إلّا الْقُلُوْبَ لُحُوْدُ
ما أكثرَ إيحاءَ صورةِ الأجداثِ واللُّحُود الممنوعَةِ على أهلِ البَيْتِ مِنْ قاتِلِيْهِم، والمفْتُوْحَةِ بِشَغَفٍ مِنْ مُحِبِّيْهِم، فهي في قلوبهم وأعماقِ أرواحِهِم فقط، بعدَ أَنْ مَنَعَ الظّالِمُوْنَ دَفْنَهُمْ، وهتكوا حرمة أجسادهم بالخُيُوْلِ والسُّيُوْفِ.
وبرع ابنه الشَّيْخ نصر اللّه يحيى (ت 1230ه) في إثارةِ مظلوميّةِ الأئمَّةِ في قصيدةِ رثاءٍ حسينيّةٍ رائعةِ التّصاويرِ والرّسوم بعدَ أَنْ ذَكَرَ وحدته، وغُرْبَتَهُ، وكيف هوى مع صحبهِ كالبدور (مج10، ص213):
لله مَيْتٌ غَدَا قَانِي الدِّمَاءِ لَهُ غُسْلًا، وَرَمْلُ السَّوافي نَسْجُ أَكْفانِ
وهذا بيتٌ رائع التّصْويرِ، إذ رسم لوحةً حمراء، قد اغتسل الشّهيدُ فيها بالدّم القاني بدل الماء، وغدا كفنُهُ منسوجًا بهدوءٍ من التُّرابِ بدل الثّياب، ثُمَّ اسْتَذْكرَ آلامَ الإمامِ زينِ العابِدِينَ في سياق رثاء الحسين، ووصف فاجعة كربلاء (مج10، ص213)؛ فقد آلمته مُصِيْبَةُ أهل البيت، وأوهنت قِوَاهُ وهدمت أركانه؛ إنّه الذّوبان في حبِّ أَهْلِ الْبَيْتِ وَالْتِزَامِ قَضَايَاهُمْ:
يَا سَادَتِي يَا بَنِي الْمُخْتَارِ رِزْؤُكُمُ أَوْهَىْ قِوايَ وَهَدَّ الحُزْنُ أَرْكَانِيْ
كما رأينا، فإنّ النّماذج السّابقة تتشابه بِتكرارها لما هو مألوفٌ من الأمور في قضيّةِ الحسين منذ استشهادِهِ.
وبرع السَّيِّد كاظم الأمين في رثاء الحُسينِ، وذَكَرَ مصابهُ في أكثرِ مراسلاته وإخوانيّاته؛ وممّا ورد عنه (مج8، ص462. تبلغ القصيدة 126 بيتًا):
وَتَغْدُو بِأَرْضِ الطَّفِّ ثَكْلَى نِسَاؤُهُم وَقَدْ هُتِكَتْ عَنْهَا البَراقِعُ وَالسَّدْنُ
فقد أَحْسَنَ في سَرْدِ تفاصيلَ جرت في كربلاء وتصويرِها من قتلِ الرّجالِ عَطاشى، وثكلِ النِّساءِ وهتكِ أستارهنّ، وحرمانهنّ وأطفالهنَّ من شرْبِ الماءِ، وهو كثيرٌ حولهم، وتشريدهم في الأَمْصارِ…وكلّ ذلك مردَّدٌ في أَشْعار الكثيرين، لكنّ الشَّاعِر ألبسه حلّةً جزلةَ الألفاظِ، وزانها بِصُوَرٍ فَنِّيَّةٍ مُتَحَرِّكَةٍ مستعينًا بالحالِ وغيرها.
وأجاد الشَّيْخ عبد الحسين صادق في رِثَائِهِ لِلْإِمامِ الحُسَيْنِ عِنْدَما لَفَتَنَا إلى عِظَمِ شَأْنِهِ وَما فعله؛ فَأَمَرَنا أَنْ نَسْتَقْصِيَ المسألة لِنَعْرِفَ عُلُوَّ مَنْزلةِ أَبِيِّ الضّيمِ والذُّلِّ، وليد المعالي، ساكن الأعالي، الذي استعذبَ طعم أَمَرِّ عُصارَةِ الْمُرِّ واستحلاه، فتقدّمَ للموتِ الرَفِيعِ بعزمٍ راسِخٍ، وقلبٍ ثابتٍ (مج7، ص436):
سَلْ كَرْبَلا، وَالْوَغَى، وَالْبِيْضَ، وَالْأَسَلَا مُسْتَحْفِيًا عَنْ أَبِيِّ الضَّيْمِ ما فَعَلا
غُفْرَانَكَ اللهُ هلْ يَرْضَى الدَّنِيَّةَ مَنْ لِقَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى رَقَى نُزُلا؟
سَامُوْهُ إِمَّا هَوَانًا أَوْ وُرُوْدَ رَدَىً فَسَاغَ في فَمِهِ صَابُ الرَّدَى، وَحَلا
خَطَا لِمُزْدَحِمِ الهَيْجَاءِ خُطْوَتَهُ الْـــ – ــفَسْحاءَ لا وَانِيًا عَزْمًا وَلا كَسَلا…
مَا بَيْنَ مُضْطَرِبٍ مِنْهُ وَمُضْطَرِمٍ نارٌ تَلَظَّى وَمَاءٌ لِلْمَنُوْنِ غَلَى
فَهْوَ الْمُقِيْمُ صَلاةَ الحَرْبِ جَامِعَةً لم يُبْقِ مُفْتَرَضًا مِنْهَا وَمُنْتَفَلا…
أَقَامَ سُوْقَ وَغَىً راجَتْ بَضَائِعُها فَابْتَاعَ لِلَّهِ مِنْهَا مَا عَلا وَغَلا
قَضَى مَنِيْعَ الْقَفَا مِنْ طَعْنِ لَائِمَةٍ مُذْ لِلْقَنا وَالْمَوَاضِي وَجْهَهُ بَذَلا…
أَحْيَا ابْنُ فَاطِمَةٍ في قَتْلِــــــهِ أُمَـــــمًا لــولا شَهَادَتُــــهُ كانَتْ رَمِيْــــمَ بِلَــى
تَنَبَّهَتْ مِنْ سُباتِ الجَهْلِ عَالِمَةً ضَلالَ كُلِّ امْرِىءٍ عَنْ نَهْجِهِ عَدَلا
لَوْ لَمْ تَكُنْ لَمْ تَقُمْ لِلدِّيْنِ قائِمَةٌ وَلَا اهْتَدَى لِلْهُدَى مَنْ أَخْطَأَ السُّبُلا
إنّها قصيدةٌ عصماء، بليغةٌ، جزلةُ الأَلْفاظِ، فخمة العبارات، جميلة الصّور، غنيّةٌ بالموسيقى، فيها الكثير من الألفاظ الغريبة الحسنة غير المكرورة، يحتاج قارئها إلى إمعان النّظر في معانيها. وأجمل ما في القصيدةِ كناياتها المصوّرة لمشاهدِ الملحمةِ الحسينيّة؛ منها قوله: “قَضَى مَنِيْعَ القَفَا مِنْ طَعْنِ لائِمَةٍ” مشيرًا إلى إقدامِ الحسينِ وعدم إدبارِهِ ولو للحظةٍ في القتالِ حتّى شهادتِهِ. وقد نجح الشَّاعِر في الخروج على المألوف الْمُعَادِ في وصفهِ للحسين وقتاله، وأبدع في توصيفِ آثار نهضته في بعثِ الأمّة؛ فأضاف جديْدًا قَيِّمًا عندما ربطَ حركةَ الحسين بحركة الأمّة، وعندما رأى دم الحسينِ وموته إحياءً لها، وَلِوَعْيِهَا لِذَاتِها. لقد أحسن في القراءة التّاريخيَّةِ والحضارِيَّةِ لحركة الحسين إلى كربلاء، بل رآها نهضةً تحرّكُ التّاريخَ، وتصنع منه الجليلَ الْمُرتَقِي بالدّيْنِ وَأَهْلِهِ.
وله قصيدةٌ أخرى في رِثَاء أبي الأحرار يُجْزِلُ فيها ألفاظَه، ويُجَمِّلُ فيها لوحاتِهِ، منوّعًا أسلوبه بين الخبرِ والإنشاء (الاستفهام الكاشف عن دهشته وحيرته)، موشّحًا إيّاها بصورةِ الموتِ من أجلِ المجدِ والشّرف (مج7، ص437):
أَهَذِي السَّمَا أَمْ كَرْبَلا أَمْ مَضَارِبٌ لآلِ عَلِيٍّ أَمْ بُرُوْجٌ لِأَنْجُمِ؟…
أَشَمْسٌ تَجَلَّتْ أَمْ مُحَيّا ابْنِ فاطِمٍ تَبَلَّجَ في دَيْجُوْرِ جَيْشٍ عَرَمْرَمِ…
تَثَلَّمَ مِنْ قَرْعِ الْكَتَائِبِ حَدُّهُ وما آفَةُ الأَسْيَافِ غَيْرُ التَّثَلُّمِ
فَلِلْقَضْبِ وَالْخَطِّيِّ وَالنَّبْلِ حَوْمَةٌ عَلَيْهِ وَدَاعَ الْبَائِسِيْنَ لِمُنْعِمِ…
وَحِيْنَ رَأَى أَنَّ الحَيَاةَ لِمَجْدِهِ بِتَوْزِيْعِهِ إِرْبًا فَإِرْبًا بِلَهْذَمِ
تَجَهَّزَ لِلْقَتْلِ الشَّرِيْفِ مُزَوَّدًا بِأَطْوَعِ زَادَيْهِ الرِّضَى والتَّسَلُّمِ
أَبَاحَ لِسُمْرِ الخَطّ أَزْكَى مُقَمَّصٍ لَهُ وَلَبَيْضِ القُضْبِ أَسْنَى مُعَمَّمِ…
برع الشَّاعِر هنا في صِيَاغَةِ وصْفِهِ لسطوع نور الحسين بين ظلمةِ جيشِ أعدائه، وفي تصويره لمشاهدِ القتالِ، وأجاد في قوله: “أباح لِسُمْرِ الخَطّ – البيت” مُكَنِّيًا عن جسده الزَّكِيِّ الشَّرِيْفِ بِأَزْكَى مُقَمَّصٍ، وعن رأسه الطَّاهِرِ الْمُعَمَّمِ بعمامةِ جدّه بأَسْنَى مُعَمَّمِ.
وبدا الخروج على النّمطِ التّقليديّ في رِثَاء الحسينِ في أَشْعار السَّيِّد مُحَمَّد جواد ابن السَّيِّد عَبْدِ الرَّؤُوْفِ فَضْلِ اللهِ العيناثِيِّ (ت 1395ه) (مج9، ص210):
وَسَتَبْقَى مَدَى السِّنِيْنَ رُؤَى الْمَأْ – سَاةِ جُرْحًا تَذُوْبُ فِيهِ الجُرُوْحُ
أَوَيَنْسَى التّارِيْخُ يَوْمَكَ إِذْ أَنْــ – ــتَ عَلَى صَفْحَةِ الرِّمَالِ طَرِيْحُ
وَإِذَا أَنْتَ فِكْرَةٌ في ضَمِيْرِ الْــــ – ــحَقِّ مِنْهَا طِيْبُ الدِّماءِ يَفُوْحُ
وَسَتَبْقَى رَمْزَ الفِدَاءِ عَلَى دَرْ – ـبـِكَ هديًا يَغْدُو السَّرَى وَيَرُوْحُ
فقد نظَر إلى يوم عاشوراء على أنّه يومٌ خالدٌ مُتحرّكٌ، وقضيّةُ حقٍّ تشعُّ عطاءً وتضحياتٍ.
مُضَافًا إلى رمزِ الثّورةِ رثى الشّعراء صحبَ الحسين، ورفاق دربه، وكلَّ مَنْ له علاقةٌ بالثّورات العلويّة عبر التّاريخ، ولا سيّما بثورة الحسين، وخصّوا بالذّكر رفيقَ دربِهِ أخاه أبا الفضلِ العبّاس، الذي ميّزته شيعةُ أَهْلِ البيتِ بمزارٍ عظيمٍ يليقُ بمقامِهِ ومَنْزِلَتِهِ مِنَ الحسين، وعنده. يشدّ الشَّيْخ علي السُّبيتي رِحَالَهُ لزيارة العبَّاس تقديرًا لإِيْثَارِهِ وفدائه ريحانةَ رسولِ الله ﷺ بروحه (مج8، ص306)؛ وهذا تعظيمٌ للدّينِ بتعظيمِ حُمَاتِهِ:
إِلَيْكَ أَبَا الْفَضْلِ الرِّضَا زَمَّتِ العُلَا حَدائِجَها وَالْأَمْرُ لِلْأَمْرِ كَارِثُ
(زَمَّ الشيءَ: شَدَّهُ. العُلا صِفَةٌ للنَّاقة. الحُدُوجُ: الرّحال. كارثٌ: مُثقِل)
وبرع الشَّيْخ عبد الحسين صادق (ت 1361ه) في رثائه أبا الفضل العبَّاسَ بنَ عَلِيٍّ في أُنموذجٍ شعريٍّ رثائيٍّ رائعٍ وراقٍ، راسمًا ملحمة فدائه، ووفائه، ومواساتهِ لأخيه الحسينِ بأجملِ الألوانِ، مُبَيِّنًا شجاعَتَهُ وَبَسَالَتَهُ في الْوَغَى، مستعينًا بكثيرٍ من أساليبِ اللّغَةِ ليصوغَها أجمل صياغة؛ فاستعمل الجمل الاسميّة مخبرًا عن شمائل العبّاس، والجمل الفعليّة الماضيةَ ليسردَ مشاهد حركته من خيام النساءِ إلى مشرعةِ النّهر، ونَفي النَّفي (لم أنسه) ليؤكّدَ رؤيته الحيّة لِكَرِّهِ مخترقًا كالسَّهْمِ سيوفَ القومِ ورماحهم دون وجلٍ. وينتهي المشهد بندائه أخاه بعدما خرّ صريعًا، فيخدمه التّشبيه مصوِّرًا هَبَّةَ الحسين ليدركه بسرعةِ الضّوء (الكوكب)، ويرسم الطّباق لوحتينِ متقابلتين: لوحة تمزيق العدا من حوله، ولوحة تجميع أعضاءِ أخيهِ المبتورة. وما أجمل جمعه بين الماضي (هوى) والمضارع (يقبّله) والنّفي المحصور (ما – إلّا) ليبدع لوحةَ انحناء الحسين باكيًا ومقبّلًا أخاه الغارقِ بدماءِ الشّهادة (مج7، ص436):
يومًا بِهِ قَمَرُ الغَطَارِفِ هاشِمٌ صَكَّتْ يَدُ الجَلَّى جَبِيْنَ بَهَائِهِ…
هُوَ ذَلِكَ البَسَّامُ في الْهَيْجَاءِ والْــ – ـــعَبَّاسُ نَازِلَةٌ عَلَى أَعْدَائِهِ…
وَاسَى أَخَاهُ بِمَوْقِفِ العِزِّ الذِي وَقَفَتْ سَوَارِي الشُّهْبِ دُوْنَ عَلائِهِ
مَلَكَ الْفُرَاتَ عَلَى ظَمَاهُ وَأُسْوَةً بِأَخِيْهِ مَاتَ، وَلَمْ يَذُقْ مِنْ مَائِهِ
لَمْ أَنْسَهُ مُذْ كَرَّ مُنْعَطِفًا وَقَدْ عَطَفَ الوَكَاءَ عَلَى مَعِيْنِ سِقَائِهِ…
فَانْصَاعَ يَخْتَرِقُ الصَّوَارِمَ وَالْقَنَا لا يَرْعَوِي كَالسَّهْمِ فيغَلْوَائِهِ…
نَادَى أَخَاهُ فَكَانَ عِنْدَ لِقَائِهِ كَالْكَوْكَبِ الْمُنْقَضِّ مِنْ جَوْزَائِهِ
وَافَى إِلَيْهِ مُفَرِّقًا عَنْهُ الْعِدَا وَمُجَمِّعًا مَا انْبَتَّ مِنْ أَعْضَائِهِ
وَهَوَى يُقَبِّلُهُ وَمَا مِنْ مَوْضِعٍ لِلَّثْمِ إِلّا غَارِقٌ بِدِمَائِهِ
يَا مُبْكِيًا عَيْنَ الْإِمَامِ عَلَيْكَ فَلْتَبْكِ الْأَنامُ تَأَسِّيًا لِبُكَائِهِ…
ومزج الكثيرون بَيْنَ الحُسَيْنِ وزينب؛ فَلَمْ يُذْكَرْ أَحَدُهُما إِلَّا مع الآخر. ألم تكن زينبُ رفِيقةَ دربِ الحسين وحافظةَ ثورتِهِ ودِمِهِ من الضّياع؟ ألم يصنعا كربلاء معًا؟ أَلَمْ تُضحّي بثلاثةِ شبابٍ من فلذاتِ كبدها؟
زار الشَّيْخ نصر يحيى قبرها، خير قبرٍ يليقُ بابنة الرَّسُوْل أحمد ﷺ ، فقال من وحي المناسبة (مج10، ص211):
يا زائِرًا خَيْرَ قَبْرٍ حَلَّتْ بِهِ بِنْتُ أَحْمَدْ
عُدْ مَا اسْتَطَعْتَ مَعَادًا إِلَيْهِ فَالْعَوْدُ أَحْمَدْ
وَمَدَحَهَا جمٌّ مِنَ العامليّين، أمثال السَّيِّد علي محمود الأمين، والشَّيْخ عبد الكريم صادق، وعبد المطّلب الأمين الذي يرى دموعها دموع الصّبرِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الْمَبدإِ، والعِزّة، لا دمع الهزائم:
وَدَمْعُ زَيْنَبَ لَا كَالدَّمْعِ سُخْرِيَةً بالنَّائِبَاتِ وَتَرْسِيْخًا لِمَاضِيْنا
وتَظْهَرُ قوّة تأثير الثّورة الحسينيّة وصاحبها في العامليّين، حَيْثُ يَرْبِطُون بين رثاء الأعزّة ورثاء الإمام الحسين؛ فبينما يرثي عبد المطَّلِب الأمين صديقًا له نراه يقول:
فَهَذا عَلِيٌّ في بَلَاغَةٍ مُكَرَّمٌ وَهَذا حُسَيْنٌ في دِمَاءٍ مُكَرَّمُ
وكرّرَ هذا النّهجَ كثيرون من العامليّين.
تاليًا صارَت قضيّةُ الحسين قضيّةً مركزيّةً في التّاريخ الإِسْلامي؛ فأثارَتِ الأحزانُ والآلامُ وَعْيَ المسلمين، وَعْيَ الذّات المقصّرة، ووعيَ الذّاتِ الرَّاشدة والمخطِّطَةِ لتغييرِ الواقعِ. وظهرَ كُلُّ ذلك التزامًا في الشّعر، يتبنّى شعاراتٍ ثوريّةً تقدّميّةً تغييريّةً، ويُغْنِيهِ بالمعاني والصّور الوجدانيّة. وتخطّى الأمرُ تَصْويرَ الواقع التّاريخيّ ووَصْفَهُ إلى التّصوير الشّعبيّ لأمورٍ ربّما لم تقع، لكنّها تُخُيِّلَتْ واقعةً في الوجدان الشّعبيّ، فرسمَ النّاسُ لوحاتِهَا. وتحوّلت دماءُ الحسين ومظلوميّة الأئمّة إلى منابع ترفد خطّ الالتزام من منطلقٍ دينيٍّ مفعمٍ بالأحاسيس الإنسانيّة.
وهكذا أنتجتِ الثَّورةُ الحسينيّة أدبًا له مرتكزاته الفكريّةُ والثَّقَافِيَّة، وجذوره الاجتماعيّة السّياسيّة، هدف إلى استقطاب الأنصارِ، وتحريكهم باتّجاه الثّورة على الحاكمِ الظّالم، لإصلاح الحكمِ والمجتمع الإِسْلاميّين.
أمّا خصائِصُهُ، فالوضوحُ، والتّسلسل، والحجاج الدّينيّ، واستثارة المشاعر الدّينيّة؛ لذا جاء هذا الأدبُ خاليًا من الرّموزِ والبديعِ عمومًا، غَنِيًّا بالجدل، والإقناعِ، والوجدان بهدف تشكيل القناعات الفكريّةِ والثَّقَافِيَّة بالقضايا من جهةٍ، وتوليد الحالات الوجدانيّة الْمُتَأجِّجَةِ مِنْ جهةٍ ثانية.
6- الإمام المهديّ في الأَشْعارِ الدّينيّة الْعَامِلِيَّة:
كَثُرَتِ الأشعارُ الْعَامِلِيَّة في الإمام الثّاني عشر “الْحَيّ الْمُنْتَظَر” لخلاص البشريّة. وهي تكشف ملامح صورته لدى المؤمنين به. وفي ما يلي سنرى ذكر المهديّ شخصًا وفكرةً على ألسنة الكثيرين من شعراء العامليّين منذ ظهورِ التَّشَيُّع في جبل عامل.
ينادي الشَّيْخ حسين بن عبد الصَّمَدِ العاملي (ت 984ه) إمامه المهديّ:
يا مُظْهِرَ الْمِلَّةِ العُظْمَى وَنَاصِرَها لَأَنْتَ مَهْدِيُّها الهادِي إِلَى اللُّقَمِ
ويقول الشَّيْخ علي زيني بن مُحَمَّد حسين العامليّ: “والعسكريّ وابنه خاتمهم قائمُهُم”، ويستنجد السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن موسى الأمين (ت 1249ه) بالمهديّ مخلّصًا للمؤمنين من ظالميهم، مستعجلًا ظهوره لنُصْرَتِهِ بعدَ أن يمدحَ الرَّسُوْل ﷺ وعليًّا، ويذكر جهادهما، وما فعلته الأمّة بحقّ أهل البيت (مج8، ص323):
مَتَى يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ مِنْكُمْ مُحَكِّمًا فَيَأْخُذَ أَوْتَارًا لَها عِنْدَ أَعْدَاهَا؟
فيا رَبِّ عَجِّلْ بِالقِيَامِ لِنَصْرِهِ وَإِلّا فَقَرِّبْنِي إِلَيْكَ بِتَقْوَاهَا
وللشّيخ البهائيّ قصائد في صاحب العصر والزّمان، كذلك نظم الشَّيْخ علي زيدان المعركيّ (1289ه) قصيدةً في المهديّ عارَضَ بها رائيّة البهائيّ (مج8، ص366)، مطلعها:
حَنَانَيْكَ هَلْ في وَقْفَةٍ أَيُّهَا السَّارِيْ عَلَى الدَّارِ في حُكْمِ الصَّبَابَةِ مِنْ عَارِ؟
وللسيّد كاظم الأمين (ت 1303ه) قصائد متنوّعة الأغراض يشكو فيها إلى الله غيابَهُ، يرجو ظهوره لرفع الظّلم عن البشريّة (مج8، ص468 و469)، يصف في بعضها أحوال الأمّة وما تعانيه من انحرافٍ وبعدٍ عن خطّ الرّسالات، ليعود إلى اللّه مستنجدًا به، راجيًا تدخُّلَه لِتحقيق أملِ الأُمَمِ بالخلاص على يدي إمام آخر الزّمان (مج8، ص468 و469. وانظر، ص472).
فالولاءُ لِأَهْلِ البيت كُلِّهِم، وانتظار الفرج على يدي إمامهم الثّاني عشر المهديّ عقيدةٌ وتربيةٌ راسختان في التّراثِ الفكريّ الشّيعيّ، نجد صداها في أدبهم في كلّ الأزمنة والعصور.
لكنَّ قصيدةً فريدةً استوقفتنا، وهي قصيدة (وسيلة الفوز والأمان في مَدْحِ صاحِبِ الزَّمان) للشَّيخِ البهائيّ. ونظرًا إلى أهمّيتها سنعرضها بشيءٍ من التّفصيل، لنكوّن صورةً ولو جزئيّةً عن أشعار العامليّين (دَرَسَت د. دلال عبّاس هذه القصيدة البالغة 77 بيتًا دراسةً مفصَّلَةً، وقد استفدنا منها في تعليقنا عليها، وللشَّاعِر 17 رباعيّة في المهديّ. انظر كتابها ص368 وما بعدها). وأهمّ ما يجب معرفته في هذه القصيدة عناصرُها، ومعطياتُها الفكريّة والفنّيّة، وبالأخصّ ما تضمّنته من قيمٍ إنسانيّةٍ، ومفاهيمَ دينيّةٍ وفلسفِيَّةٍ تشكّل ملامحَ شخصيّته، وعمادَ طريقةِ تفكيره، وخلاصةَ عواطفه؛ فقد وُفَّقَ الشَّاعِر في اختيار بحر الطّويل، بحر السّرعة والانحدار لقصيدته، ورويّ الرّاء المكسورةِ بعد مدٍّ طويلٍ جامعًا بين الرّحابةِ والأسى، مُمهّدًا لقصيدته الطّويلة متعدّدة الأغراضِ بمطلعٍ تقليديٍّ طلليٍّ:
سَرَى الْبَرْقُ مِنْ نَجْدٍ فَهَيَّجَ تَذْكَارِي عُهُوْدًا بِحَزْوَى وَالْعُذَيْبِ وَذِيْ قَارِ
وَهَيَّجَ مِنْ أَشْوَاقِنَا كُلَّ كَامِنٍ وَأَجَّجَ في أَحْشَائِنا لاعِجَ النَّارِ
أَلَا يَا لُيَيْلاتِ الغُوَيْرِ وحَاجِرٍ سُقِيْتِ بِهَامٍ مِنْ بَنِي الْمُزْنِ مِدْرَارِ…
فمن الطّلل المهيّج للذّكريات الوجدانيّة الجميلة الغابرة، إلى النّداءِ الحزينِ المشبعِ بالمدّ الكاشفِ عن حجمِ معاناته، إلى الشّكوى من الزّمان، والفخر بصبرهِ وثباته على الرَّغْم من كلّ الصّعوبات، وإظهار قدرته على مواجهة المشاكل وإيجاد الحلولِ لها مهما عظمت، وتبيان طموحاته السّامية، ومراميه العالية. وتألَّم؛ لأنّهُ لمْ يُفْهَم من مجتمعه، فتأزّمَ نفسيًّا، وشَعَرَ بِغُرْبَةٍ دفعته إلى التّظاهر بغيرِ حقيقته:
وَأُظْهِرُ أَنِّي مِثْلُهُمْ تَسْتَفِزُّنِي صُرُوْفُ اللَّيالِي بِاحْتِلاءٍ وإِمْرَارِ
ويسترسل في تبيان قدراته، ومكوّنات شخصيّتِهِ، مُتَبَاهِيًا بثقافتِهِ الحسينيَّةِ في رفضِ الظّلمِ ليدخل بعدها في غرض القصيدةِ الأساس، وهو مدح المهديّ، معتزًّا بأنّه ينظم أجمل أشعارِهِ وأصدقها فيه (مج9، ص245-246)، ويرى نفسَهُ فيه؛ فهو قدوته، وشبيهه: هو عالمٌ، والإمامُ أمل الوجود وحبيبُهُ (م.ن، ص246):
وَلَا انْتَشَرَتْ في الخَافِقَيْنِ فَضَائِلِي وَلَا كَانَ في الْمَهْدِيِّ رَائِقُ أَشْعَارِيْ…
إِمامُ هُدَىً لاذَ الزَّمانُ بِظِلِّهِ وأَلْقَى إِلَيْهِ الدَّهرُ مقود خوّار…
أَيَا حُجَّةَ اللَّهِ الذَيْ لَيْسَ جَارِيًا بِغَيْرِ الذِيْ يَرْضَاهُ سَابِقُ أَقْدَارِ…
أَغِثْ حَوْزَةَ الإِيْمانِ وَاعْمُرْ رُبُوْعَهُ فلم يَبْقَ منها غَيْرُ دَارِسِ آثَارِ
وَأَنْقِذْ كِتَابَ اللهِ مِنْ يَدِ عُصْبَةٍ عصوا وتمادوا في عُتُوٍّ وإِصْرَارِ…
وَأَنْعِشْ قُلُوْبًا في انْتِظَارِكَ فُرِّجَتْ وأضجرها الأعداءُ أَيَّةَ إِضْجارِ…
وعَجِّلْ فَداك العالَمُون بأسرهم وبادر على اسم الله من غير إنظار
تَجِدْ مِنْ جُنُوْدِ اللهِ خَيْرَ كَتَائِبٍ وأَكْرَمَ أَعْوَانٍ وَأَشْرَفَ أَنْصَارِ…
فهو يستحثّه للخروجِ، وإنقاذِ البشريّة من الضّلالِ، والدّينِ من الْمُحَرِّفِينَ، وإسعادِ القلوبِ الوالهة المنتظرة، ويؤمن بطاقاته الخارقة. وقد استخدم البهائيّ علومه في أدبه؛ فالإمام يُنطِقُ الأعداد الصمّ، والفلاسفة ينهلون من حكمته. إنّهُ يلخّص في قصيدتِهِ هذه قضيّة المهدويّة، وفلسفتها، ودورها في تحقيقِ إرادةِ اللّهِ على الأرض؛ فالفساد المستشرِي لا يلغيه إلاّ متفوّقٌ مُسَدَّدٌ كالمهديّ، وسيتبعه البهائيّ وقومه. ويختم قصيدته بفخرٍ لا غرور فيه، يليق بمخلّصٍ كالمهديّ.
ثانيًا: خاتمة المبحث: مِيزات الأشعار الدّينيّة:
نلاحظ في مُعْظَم الأشعار الدّينيّة المدحيّة والرّثائيّة تقليديَّتُها مِنْ حَيْثُ الْأَفْكَارُ، والأَلْفَاظُ، والتّصاوير التي تضمّنتها، والالتصاق بمضمون الأحاديث النّبويّة في أهل البيت، وبالمعاني الدّينيّة الْمُكَرّرة، حتّى أوائل القرن الرّابع عشر الهجريّ؛ فالأشعار المثبتة منذ زمان عبد المحسن الصّوريّ والكفعميّ (ت 905ه) مرورًا بالمشايخِ أحمد بن خاتون (كان حيًّا سنة 1011ه)، وإبراهيم الحاريصيّ، وإبراهيم بن يحيى (ت 1214ه)، وغيرهم حتّى زمن السَّيِّد كاظم الأمين (ت 1303ه) لم تخرج عن الإطار التّقليديّ العامّ.
لكن منذ زمن كاظم الأمين بدا الاهتمام بسلاسةِ الأَلْفاظِ وَشُمُوْلِيَّةِ النَّظْرة إلى القضايا الإسلاميّة والإنسانيّة، وعلى وجه الخصوص إلى حَرَكَةِ الإمام الحسين، وإظهار أبعادها الإنسانيّةِ والحضاريّة في عمليّة التّغْيِير، والإصلاح في المجالات كافَّةً، كأشعاره، وأشعار عبد الحسين صادق، ومحمّد جواد فضل اللّه، وعبد المطّلب الأمين، وغيرهم. وينمو هذا الاتّجاه كُلَّما اقْتَرَبْنا مِنْ عصرنا الحاليّ في أوائل القرن الحادي والعشرين الميلاديّ.
فقد اهتمّ جلُّ الشّعراءِ العامليّين في هذه المراحِلِ الزّمنيّة برسمِ صور الملحمة الدّامية، وبالعناصر المأساويّة والمفجعة في تفاصيلِ المعركة في كربلاء ليثيروا عناصر الحزن، والبكاء، والألم. وبدأت معالم التّغيير بالمزجِ بين المتوارث التّقليديّ وبعضِ الصّور والأساليبِ الجديدة على الأقلّ مع كاظم الأمين حيث حافظَ على الصّور القديمة، لكنّه ألبسها حُلَّةً قشيبةً من الألفاظ الجزلةِ، والتّعابير الفخمة.
أمّا التّجديد الفعليّ في أَشْعار الرّثاءِ الْعَامِلِيَّة من حيث رؤية الأبعاد الفكريّة، والحضاريّة، والسّياسيّة، والاجتماعيّة، ومن حيث تسليط الضّوء على فلسفةِ الحركةِ الحسينيّة، فلم يتبلور إلاّ مع الشَّيْخ عبد الحسين صادق (ت 1361ه)، إذ بدأنا نرى الإشارةَ إلى آثار شهادةِ الحُسَيْنِ في إحياءِ الأمّة، والتّغيير، والنَّهْضَة، والخروجِ من الجَهْلِ إلى العِلْمِ. نشير إلى محافظتِهِ على رقيّ المستويات البلاغيّة، واللغويّة، واللفظيّة في قصائده مع عنايةٍ فائقةٍ بصوره الفنّيّة، وبمعجمِ ألفاظِهِ الجزلة القويّة، والغريبةِ دون الوحشيّة، والفصيحةِ نادرَةِ الاستعمال، ما يدلّ على مقدرةٍ لغويّةٍ مميّزةٍ.
المبحث الثَّاني: الشّعر العامليّ غير الدّينيّ في الأعيان: المدائح والمراثي
نعني بالأشعار غير الدّينيّة ما لم يكن مختصًّا بالرَّسُوْل ﷺ وآل بيته من أغراضِ الشّعر الوجدانيّ، كالمديح، والرّثاء، والفخر، وغيرها. وإذا كنّا قد دمجنا بين الأشعار الوجدانيّة الدّينيّة الواردة في النّبيّ ﷺ وآله لصعوبةِ الفصل بين هؤلاء في الفهم، والوعي، والوجدان الشّيعيّ، فإنّه من الأنسب دراسةَ كلّ غرضٍ من الأشعار غير الدينيّة على حدة لتكوين صورةٍ أكثر تكاملًا.
ونظرًا إلى كثرة الأشعار الْعَامِلِيَّة غير الدّينيّة وتنوّع أغراضها سنوَزِّعها على قسمين؛ المدائح والمراثي، ثمَّ بقيّة الأغراض، كالإخوانيّات، وأشعار الحنين، والغزل والنَّسيب، والفخر والهجاء، وغيرها.
أوّلًا: المدائح غير الدّينيّة:
وهي تشمل مدح الأمراء، والعلماء، والأساتذة، والأصدقاء، وغيرهم من الطّبقات مُوَزَّعةً على أصنافها.
1- مدح الأمراء: المديح السّياسيّ:
ابتعد معظم علماء الدّين الشِّيْعَة عن العلاقة المباشرة بالحكّام والولاة، وساد التّوَتّر علاقتهم بالسّلاطين الظّلمة والأمراء المعادين. لكنّ سيادة بعض الزّعماء العامليّين في جبل عامل، ورضى معظم النّاس عنهم سهَّلَ فَهْمَ علاقة بعض العلماء بالسُّلْطَةِ وتفهّمها؛ فقد تواصلوا مع أمرائهم، وزاروهم، ومدحوهم. والسّبب دينيٌّ مذهبيٌّ في الأعمّ الأغلب، ولا سيّما إذا كانوا صالحين، أو حَرَصُوا على حمايةِ الجبل وأهلِهِ، أو قاتلوا أعداءه؛ فَرآهم بعض العلماءِ حماةَ الدّين، والمذهبِ، والدّيار. في هذا الإطار يمكننا تفسير بعض المدائح لولاةٍ عثُمَّانيّين، إمّا لكونهم كانوا عادلين، أو غير معادين، لِحفظ مصالح الجبل وأهله، وإمَّا لتحقيق مصلحةٍ شخصيَّةٍ.
وقد شغل بعضهم منصبًا رسميًّا لديهم، كالشَّيْخ عبد اللّه بن عبّاس البلاغي الذي كان مستشارًا لعلي بك الأسعد (ت 1281ه)، لما يتمتّع به من صفات وكفايات؛ فهو شاعرٌ ظريفٌ خفِيف الرّوح عارفٌ بالفنون والتّواريخ، لَسِنٌ ذَرِبٌ. وَسَفَرَ بَعْدَهُ لابْنِ أَخِيْهِ علي بك أيضًا (مج8، ص58). وتجنَّب بعض علماء الجبل دخول بيوت الأمراء لما في أموالهم وسلوكهم من إشكال حتّى مع حرص بعضهم على الجبل، وعلمائه، وناسه؛ فها هو الشَّيْخ عبد الله نعمة (ت 1303ه) (مج8، ص58) المقَرَّب جدًّا من علي بك الأسعد وابن أخيه محمّد لا يَصْعَدُ إلى القَلْعَةِ، مَقَرِّ إمارة علي بك، ولا يقبل دعوته، ولا يأكلُ طعامه، ويقول له: “أنت ظالمٌ! لا أدخلُ منزلك”. وعلى الرَّغْم من ذلك يُعَظِّمُهُ علي بك “تعظِيْمًا لا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ” (م.ن، ص60).
وغلب على مدائح الأمراء المدحُ بالأمور المعروفةِ من الشّجاعةِ، والبأس، والكرمِ، والحِلْمِ، واستطاع بعضهم الإتيان بصورٍ جديدةٍ، أو بأنغامٍ مميّزةٍ تُغْنِي المدح والوصفَ إثارةً وحيَويّةً.
نبدأ بالمدح القديم في العصرِ العبّاسيّ مع عبد المحسن الصُّوريّ الذي لم يمدح للاستعطاءِ إلاّ نادرًا بسبب إباء نفسه، بلْ مَدَحَ لأسبابٍ دينيّةٍ عاطفِيَّةٍ أكثر منها عقائدِيَّةً؛ فقد مدح العزيز الفاطميِّ خليفة مصر (مج8، ص97)، وبرع في تصويرِ شوقِهِ إلى رؤيته؛ فَصَوَّرَ آلامَ عينيه بِسَبَبِ قَذَى القَتَادَةِ، ونار وجده إلى مصر حيث الخليفة مقيمٌ، وَأَبْدَعَ في نَقْلِ حالَتِهِ النّفسيّة في عدمِ قدرتهِ على إخفاءِ هواه وحبّه؛ فَكُلُّ جوارِحِهِ تنطق بذلك. ومدح عمّارَ بنَ محمد من وزراء الدّولة الفاطميّة بمصر أيّام الحاكم بأمر الله (ت 411ه)، والأَمِيْرَ عليًّا بنَ الحُسَيْنِ المغربيّ والد أبي القاسم الوزير (مج8، ص99)، ممهِّدًا لِبيتي مَدْحِهِ بقصيدةٍ غَزَلِيّةٍ أظْهَرَت دقّة تحسّسه لعالم الجمال؛ فرأى آثار سحر لحاظِ عينيها وبهاءِ قامتها قاتلةً مميتةً كما يفعل السَّيْفُ الْمُهَنَّدُ.
واستمرّ المديح السّياسيّ عبر العصور؛ فللكفعميّ (ت 905ه) أشعار مديحٍ سياسيٍّ، تقليديّةٌ بمعانيها وأسلوبها، يبدو أنّها في أحد الأمراء أو أهل الشّأنِ (مج2، ص189)، وَمَدَحَ آخَرُون من علماءِ الدّين العامليّين أمراءَ محدودين؛ فقد مدح الشَّيْخ إبراهيم صادق المخزوميُّ الوزيرَ الأعظمَ مُحَمَّد نامق باشا، ووالي بغداد مُحَمَّدَ نجيب باشا، ومُحَمَّد نجل الوزير الأكبر راغب باشا (مج2، ج5، ص149)، كما مدح الشَّيْخ إبراهيم بن يحيى الأميرَ محمود بن نصّار (مج2، ج5، ص240)، والأمير علي الفارس الصّعبي، وأخاه الأمير حيدر الصّعبيّ، والشَّيْخ أحمد آغا الدّمشقيّ (مج2، ج5، ص460-464). ومدحَ السَّيِّد علي بن مُحَمَّد الأمين الأمير عبد اللّه باشا، ومدح الشَّيْخ علي مروّة (ت 1280ه) الشَّيْخ حمد بن محمد المحمود سنة 1241ه بقصيدةٍ على طراز الموشّح الأندلسيّ (مج8، ص203) ظهر فيها تقليده للسان الدّين بن الخطيب، وبِقَصِيْدَةٍ أخرى، منها (مج8، ص204):
أَقْمَارُهُ طَلَعَتْ أَنْوَارُهُ سَطَعَتْ غِلْمَانُهُ رَتَعَتْ في ظِلِّهِ العَمَمِ
غِزْلانُهُ سَنَحَتْ وَرْقَاؤُهُ صَدَحَتْ أَنْهَارُهُ طَفَحَتْ بالبَارِدِ الشَّبِمِ
قامَتْ دَعائِمُهُ هَبَّتْ نَسائِمُهُ بَاتَتْ حَمَائِمُهُ في أَحْسَنِ النَّغَمِ
شَطَّتْ مَطَارِحُهُ طابَتْ رَوائِحُهُ تَشْدُو صَوَادِحُهُ في صَوْتِها الرَّخِمِ
ويبدو أسلوبُهُ مميّزًا وجديدًا؛ لندرس الأبيات الأربعة الأخيرة مثلًا: بيتان مبنيّان بشكلٍ هندسيٍّ لافتٍ، يبدأ صدرا البيتين الأوّلين بجملتين اسميّتين قصيرتين، أخبارهما فعلانِ مفردانِ، وعَجْزاهما جملتان اسميّتانِ خبرهما جُمَلتان فِعْلِيَّتان مع متمّماتٍ، ثُمَّ يتلوهما بيتان مبنيّان بشكلٍ معاكسٍ، ومتجانسٍ موسيقيًّا، صدرهما جملتان فعليّتان قصيرتان، وعجزهما جملتان فعليّتانِ مع متمماتٍ. تتساوى الجمل بنوعيها في الطولِ وعدد الكلمات، وباستخدامِ التَّوازُنِ والتَّوازي فيها، ممّا ينتج نَغَماتٍ موسيقيّةً متساويةً، تمنح الأشعار غنىً إيقاعيًّا. وقد أجاد في توظيف الجمل الخبريّة الاسميّة ثمّ الفعليّة في الوصف، وَتَابَعَ على هذا النّسق الإيقاعيّ، وهو أسلوبٌ ناعِمٌ شيِّقٌ، فيه كلُّ الجِدّة، وقَلَّ مَنِ اعْتَمَدَهُ. وقد جمع فيها بين الألفاظِ البدوِيّةِ وجاذبيّتها الموسيقيّة، ثُمَّ خَلُصَ إلى مدح ممدوحه في نهاية القصيدة ببضع أبياتٍ، وكأنّ مناسبة المديح فرصةٌ لإبراز الشَّاعِريّة في تناول المعاني والصّور الأخرى:
ومدحَهُ بقصيدةٍ أخرى حين توجّه إلى فتح بلاد صفد وعكّا، ومحاربةِ الدّولة المصريّة (مج8، ص204)، استغرق فيها في المبالغات؛ فقد جعلَ البروجَ والأسوار تَخِرُّ لعظمتهِ ساجدةً، كما تخرّ الجبالُ للقرآن، وكما يسجد النّجم والشّجر للّه. وبرع في الكنايةِ عن شجاعةِ الأمير الشَّيْخ حسين السَّلمان الذي ساهم مع الدّولة الْعُثْمَانِيَّة في استعادة عكّا من إبراهيم باشا المصريّ مصوّرًا إيّاه ينازل الأعداءِ بلا دروعٍ تحميه، مترفّعًا عن تَتَبُّعِ الْمُدْبِرين، حازمًا راشدًا شجاعًا مُخَلِّصًا (مج8، ص204-205). ومدح الشَّيْخ علي زيدان المعركيّ علي بك الأسعد بقصيدةٍ جميلة المعاني (مج8، ص366):
مجدٌ على التقوى بَنَيْتَ أَسَاسَهُ إِنَّ التُّقَى لِلْمَجْدِ خَيْرُ أَسَاسِ…
وَأَخَاكَ مُلْتَهِفُ الحَشَا فَرَدَدْتَهُ ثَلِجَ الحُشَاشَةِ بارِدَ الأَنْفَاسِ
ما أجمل كنايته عن قضاءِ وطره؛ فحاجته عظيمة، كادت تذهبُ بِه، لكنّ الأمير أعادَ روحه إليه بقضائها، فرجع مثلوج الفؤادِ سعيدا. ومدح السَّيِّد مُحَمَّد الأمين الثّاني السّر عسكر مصطفى باشا بقصيدةٍ، منها في وصف شجاعته وبأسه التي تُرْعِبُ الأرضَ والأعداءَ، وتُرْجِفُهُم (مج9، ص128):
وَتَرْجُفُ الْأَرْضُ رُعْبًا مِنْ مَهَابَتِهِ وَلِلْأَعَادِيْ رَجِيفٌ مِنْ مَواضِيْهِ
سَلِ الْبُرُوْقَ إِذَا أَسْيَافُهُ لَمَعَتْ مَنْ عَلَّمَ الْبَرْقَ وَمْضًا في لَيالِيْهِ
وتظهر فيها الاستعاراتُ الجَمِيْلَةُ المشخِّصَةُ لعناصر الطَّبيعة لِتَحْكِيَ عن بطولاتِهِ وأمجادِه؛ فالبرقُ اللّامع سيجيب أنّه اقتبسَ بَرْقَهُ من لمعان سيوف الأمير، ثُمَّ يمدح الخليفةَ عبدَ المجيد، ويرفعه إلى مستوى الخليفة الرّاشد الخامس:
به الخِلافَةُ خُصَّتْ بَعْدَ أربعةٍ فاللهُ ناصرُهُ والله كافِيه
وله ردودٌ شِعْرِيَّةٌ على رسائلَ من ولاةٍ أو قادةٍ عسكريِّين، مثل المشير مُحَمَّد باشا القبرصلي، وعزّت باشا الذي زاره في شقراء (مج9، ص128). وَنَظَمَ محمّد الأمين مدائح تقليديّة أخرى في مُحَمَّد باشا القبرصلي، وحسن بك كاخية مشير أيالة صيدا. أمّا السَّيِّد كاظم الأمين (ت 1303ه)، فمدحَ الأميرَ علي بك الأسعد بقصيدةٍ استهلّها بمطلعٍ طلليٍّ، وبالمعاني التَّقْليديّة المعروفة، مُسْتَبْشِرًا بكون اسم ممدوحِهِ عليًّا، مع بعض الاقتباس والتَّقْليد (مج8، ص465-466)، ثمَّ رَبَطَ بين ممدوحه، والنّبيّ ﷺ ، والآل، كما جرت العادةُ. كذلك مدحَ معاصِرُهُ الشَّيْخُ علي السّبيتيّ الكفراويّ الأميرَ علي بك الأسعد بقصائدَ كثيرةٍ، ومدح الشَّيْخُ فخر الدّين بن علي العيناثيُّ الشَّيْخ عليَّ بن فارسٍ الصّعبيَّ، وأخاه الشَّيْخ حيدرَ الفارس، وصهرَهُ الشَّيْخ ناصيفَ بقصيدةٍ (م.ن، ص394) فاضَتْ أَلْفَاظًا جَزلةً، وفخمةً، وغريبةً “وجناء عرمس- تبابها- ذوى مُستطابُها- عِيْر مجدع”، منها:
مُجِيْبُ النِّدا بَحْرُ النَّدَى كاشِفُ الرَّدى بَعِيْدُ الْمَدَى حَتْفُ الْعِدَى وَحِرابُها
هو السَّيِّد الْمِقْدامُ يُغَنِّي مُسَالِمًا وَيُغَنِّي إِذا الهَيْجاءُ شَبَّ التِهَابُها
أخيرًا نذكر مديحًا سياسيًّا ملتزمًا لِلشَّيْخ حسن بن عبد الحسين صادق (ت 1387ه) ضمن قصيدةٍ بمناسبةِ المولد النّبويّ الشّريف في زعيمٍ شرقيٍّ رآهُ قائدًا لمسيرةِ الحقِّ المنتصرة لا محالة (مج5، ص221). ومن المدائحِ السّياسيّة الهادِفة المستَخْدَمَةِ من أجل إحقاق الحقّ، ودحضِ التُّهَمِ الباطلة قصيدةُ الشَّهَيْد الأوَّل الشَّيْخ محمد بن مكي (734-786ه) التي أَرْسَلَها إِلَى بيدمر (مج10، ص61) لَمَّا حَبَسَهُ في قَلْعَةِ دِمَشق (مج10، ص60-61. قُتِلَ بالسَّيفِ، ثُمَّ صُلِبَ، ثُمَّ رُجِمَ بدمشق في دولة بيدمر بِفَتوى القاضيين برهان الدِّين المالكي وعباد بن جماعة الشَّافعيّ بعد ما حُبِسَ سنةً كاملةً في قلعة دمشق):
يا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمَنْصُوْرُ بيْدَمَرُ بِكُمْ خوارِزْمُ والأَقْطارُ تَفْتَخِرُ
لا تَسْمَعَنْ فِيَّ أَقْوَالَ الْوُشاةِ فَقَدْ باؤُوا بِزُوْرٍ وَإِفْكٍ لَيْسَ يَنْحَصِرُ
واللهِ واللهِ أَيْمانًا مُؤَكَّدَةً إِنِّي بَرِيءٌ من الإِفْكِ الذِي ذَكَرُوا
عَقِيْدَتِي مُخْلِصًا حُبُّ النَّبِيِّ وَمَنْ أَحَبَّهُ وَصِحَابٌ كُلُّهُمْ غُرَرُ
يلاحظُ المتأمّلُ في قصيدةِ الشَّيْخ عدم الإطالة في مديح الأمير الذي يستعطفه لينال عفوه، ويُقْنِعَهُ ببراءتِهِ، وظُلامَتِهِ، خلافًا لعادةِ مادحي أصحاب الجاه والمال والسّلطان، كما تُرَى شجاعتُهُ في الدّفاعِ عن نفسِهِ، وفي نهيِهِ الأميرَ عن تصديقِ أهلِ البغيِ.
ومن المديح المحبَّب ذي الغاياتِ الرَّاقِيةِ ما كان لغرضٍ سامٍ من رفع فتنةٍ أو حثٍّ على الصّلح، خصوصًا إذا اضطرَّ الإنسانُ اليومَ إلى مدح مَنْ كان مُجافِيًا له بالأمس. وقد فعل ذلك الشَّيْخ مُحَمَّد حسين شمس الدّين المجدل – سلمي (ت 1343ه)، حيث مدح الزّعيمَ كامل بك الأسعد -الجَدَّ – من أجل فضّ النّزاع الذي حصل بين أتباعه وأتباع صديق الشَّاعِر الزّعيم شبيب باشا الأسعد في مناطق نفوذهما (مج9، ص224).
والمتقصّي لمدائح الأمراء العامليّين يرى اقتصار جلّها الأغلب على بضعةِ أمراء: حمد البيك، وخليل بك الأسعد، وعلي الفارس الصّعبيّ، وعلي بك الأسعد، وخلفائهم. ويلفتنا اختصاص بعض علماء الدّينِ بمدحِ أميرٍ وملازمتهِ. وهذا مُسْتَغْرَبٌ منهم عادةً، كما فعلَ الشَّيْخ إبراهيم الحاريصيّ (ت 1185ه) الملازم للأميرين ناصيف النّصّار وعلي الصّعبيّ، والذي كانت جلُّ أشعاره مدائحَ سياسيّةً لهما، والشَّاعِر إبراهيم يحيى بانقطاعِهِ إلى الأمير علي فارس الصّعبيّ؛ وقد فسّرنا ذلك بالبُعْدِ الدّينيّ حيث يرى هؤلاء المشايخُ الأمراءَ حماةً للمذهبِ، وأهلِهِ.
أمّا بالنّسبةِ إلى مضمونها، فهي لم تخرجْ على السّياقِ العامّ للمدائح، إلاّ بربط الممدوحين بالرَّسُوْل ﷺ ، وأهل بيته، وبرؤيةِ انتصاراتهم نصرًا لأهل الجبلِ، وببعضِ الجدّةِ فيها. لكنّ الفائدةَ الكبرى للأشعارِ السّياسيّة الْعَامِلِيَّة تكمنُ في تدوينها للأحداثِ، والمعاركِ، وتوثيقِ تفاصيلها، ما يساعد في معرفةِ الأجواءِ السّياسيّةِ السَّائدة، وطبيعةِ الحكمِ والإدارة، وغيرها من الأمور.
2- مدح العلماءِ والأساتذة:
ركَّزَتِ الأَدَبيّاتُ الإِسْلاميّةُ على وجوبِ طلب العلمِ، واحترامِ العلماءِ، وتقديرهم، وإطاعتهم. وقد مدح بعض العامليّين علماء ومراجعَ لِمقاماتهم الكبيرة، وذُيُوْع صيتهم، أو لأنَّهم حضروا بعض دروسهم. وقد كثرت هذه المدائح التَّقليديَّة، فاعتنينا بها، ولا سيّما أنَّ فيها شِعْرًا عَذْبًا رَقْراقًا.
مدحَ الشَّيْخ عبد الكريم بن موسى شرارة (ت 1332ه) أستاذَهُ السَّيِّد نجيب فضل اللّه (مج8، ص43)، ومدح الشَّيْخ محمد حسين شمس الدّين (ت 1343ه) السَّيِّد علي محمود الأمين بقوله (مج9، ص226):
يَزِيْنُ الجِبَالَ الرَّاسِيَاتِ رَزَانَةً وَتَعْنُو لِعَلْيَاهُ الرِّجَالُ الأَكَابِرُ
كذلكَ مدح الشَّيْخ أحمد بن الشَّيْخ حسن برّي التبنينيّ مؤسّس مدرسته السَّيِّد علي بن محمود الأمين (مج2، ص509)، ومدح الشَّيْخ مُحَمَّد حسين شمس الدّين السَّيِّد علي الأمين المذكور آنفًا بقصائدَ طويلةٍ ومستقلّةٍ، الأمر الذي يؤكّد متانة الرّابطة التي جمعتهما، وإعجابه به، وبعلومه، وأخلاقه (مج9، ص226):
فَتَىً خُلْقُهُ في كُلِّ آنٍ وَوَجْهُهُ كَرَوْضِ الحَيا، والْبَدْرُ باهٍ وَباهِرُ
رقى في المعالي الغرِّ أَبْعَدَ غايَةٍ إِلَى حَيْثُ لَمْ تَلْقَ النُّجُوْمُ الزَّواهِرُ
وَيُمَجِّدُهُ بِسَببِ مَوْقِعِهِ الرِّسالِيِّ والعلميّ:
هُوَ القُطْبُ قُطْبُ الدِّينِ والعِلْمِ والحِجَى وَلَوْلاهُ لِلْعَلْياءِ ما دارَ دائِرُ
كما مَدَحَ أَخاهُ السَّيِّد محمّد محمود الأمين سنة 1318ه بالدّورِ الدّينيّ والعلميّ الذي يمثّله (مج9، ص225):
لو لم تَكُنْ لِلدِّيْنِ أَفْلَجَ حُجَّةٍ ما لقَّبُوكَ بِحُجَّةِ الإِسْلامِ
وتميّزت معظم مدائح العلماء ومراثيهم بارتباطها بمدح الرَّسُوْل ﷺ وآله؛ يقول عبد المطّلب الأمين واصفًا دموع القداسةِ التي واكبت الأنبياء منهمرةً من عيون أمَّهاتهم (مج8، ص110):
مُوسَى وَدِيْعَةُ دَمْعَةٍ مِنْ أُمِّهِ لا اليُتْمُ يَعْرِفُها ولا الْأَنْواءُ
ويَسُوع والرَّحمات ظِلُّ صَلِيْبِهِ جَادَتْ بِهِ مِنْ دَمْعِها الْعَذْرَاءُ
وَعَلَىْ تَرَاتِيْلِ الْيَتِيْمِ الْمُصْطَفَى مِنْ دَمْعِ آمِنَةٍ سَنًى وَرُوَاءُ…
ويؤكّد وحدةَ خطِّ الأنبياء؛ فيذكر في أَشْعاره مرّاتٍ عدّة الأنبياءَ عيسى، وموسى، ومحمّد ﷺ وتضحياتهم، والسَّيِّدتين مريم وفاطمة، ودموعهما.
أخيرًا نثبت أنّ النّسب الهاشميّ غدا باعثًا مستقلًا لمدحِ حاملِهِ، في المقابل تكادُ لا تخلو قصيدة في أحد السّادة من مدح الرَّسُوْل ﷺ ، وعليٍّ، وبعض أهل البيتِ، أو كلّهم.
فمدائح العلماءِ تتشابه في مواطنِ تركيزها على العلمِ ودورِ العالمِ في إحياءِ الدّينِ والشّريعة، وتراهم امتدادًا لخطِّ الأنبياء؛ وعليهِ، قرنت بينهما في مُعْظَم أشعارها.
3- مدح الأصدقاء:
تتعدّد بواعث مديح الصّديقِ لصديقه؛ فَيَمْدَحه إعجابًا به، أو اعترافًا بفضله وأخلاقه، أو وفاءً له، أو لموقعه الدّينيّ وعلومه. وقد كثرت مدائح العامليّين لأصدقائهم؛ فقد مَدَحَ الشَّيْخ إبراهيم البازوريّ (مج8، ص349. ومج2، ص106-108) زميله الشَّيْخ زين الدّين مرّات عدّة، والسَّيِّدَ حسينَ صاحبَ المدارك، ومدح الشَّيْخُ عبد اللّه البلاغي صديقه العامليّ السَّيِّد مُحَمَّد الأمين الثّاني (ت 1297ه)، وبالغ في نعته بأعظم معاني المديح، والتّبجيل (مج9، ص126-127). أمَّا الْمُمَيَّزُ، فالشَّيْخ علي مهدي شمس الدّين (ت 1373ه)، وهو من أبرز شعراء جبل عامل في عصره، أديبٌ ظريفٌ، ذو نكتةٍ وفكاهةٍ ومرح. وقد مدح صديقه المؤَلِّفَ بأبياتٍ جميلةٍ (مج8، ص349-357)، والسَّيِّدينِ الأَخَوَيْنِ مُحَمَّدًا وعليًّا ابني السَّيِّد محمود الأمين، بقصائدَ عديدةٍ، مزجها بمدح أبائهم، منها قصيدةٌ في السَّيِّد علي، غنيَّةٌ بالصُّور، وعناصر الطَّبيعة (ورد خديها – مسك الخال فاح أريجهُ -…)، والألفاظ الجزلة والفخمة (أصارم- علاقم- أراقم- صوارم- شادن- أدعج- وادي العقيق- المباسم) (مج8، ص354)، وفي قَصِيدَةٍ أخرى مدحه وبالغَ في وصفِ منزلته (مج8، ص355-356). وله قصيدةٌ في مدح السَّيِّد نجيب فضل اللّه، يكشف فيها عن تمكّنه من غَوْصِ غِمارِ المعاني الجليلة والألفاظ الفخمة الغريبةِ الفصيحة، وكأنَّ القارىءَ أمامَ قَصِيدةٍ جاهليَّةٍ أو بدويّةٍ من نَظْمِ الفَرَزْدَقِ والشَّنفرى، وَأَمْثالِهِما (مج9، ص227):
وَشَعَّتْ عَلَى الْأَكْوارِ خُمْصٌ مِنَ الطَّوَى سَرَوا يَخْبِطُوْنَ اللَّيْلَ، وَاللَّيْلُ مُظْلِمُ
خِفَافٌ عَلَى الْأَقْتابِ إِلَّا حُلُوْمَهُمْ وَإِنْ وَقَذَتْهُم نَعْسَةُ السَّيْرِ هَرَّمُوا
يَنُصُّوْنَ في اللَّيْلِ الْبَهِيْمِ قَلَائِصَا لَهَا مِنْ ذَمِيْلِ السَّيْرِ ورد ومطعم…
أَنِيْساهُ زياف وَسِيْدٌ عَمَلَّسٌ وَيَصْحَبُهُ لَدْنٌ وَعَضْبٌ مُصَمّمُ…
ومدح الشَّيْخ مُحَمَّد نجيب مروَّة صاحِبَهُ مؤَلِّف الأعيان بأبياتٍ أبرزت جهوده التّأليفِية (مج9، ، ص211-216).
واللّافت في مدائح الأصدقاء الرّبط بين الممدوحين والرَّسُوْل ﷺ وأهل البيت؛ فطرفا المديح عالِما دِيْنٍ غالبًا. فهذا الشَّيْخ علي زيدان المعركيّ (ت 1289ه) يَمْدَحُ الشَّيْخ إبراهيم صادق، رابطًا المديحَ بمُحَمَّد ﷺ وعليٍّ (مج8، ص366):
خُذْ مِنْ عَلِيٍّ ذِيْ العُلَى سَيْفًا عَلَى رِيَبِ الحَوَادِثِ لَمْ يَزَلْ مَسْلُوْلا
واشْدُدْ بِحَبْلِ مُحَمَّدٍ وَانْزِلْ عَلَى رَبْعٍ تَرَاهُ بِالنَّدَى مَطْلُوْلا
وفعلَ مثل ذلك في مراسلاتهِ للشَّيْخ عبد الله نعمة بعدَ مديحهِ بالأوصافِ والتّشابيه المعرُوفة (مج8، ص365). ونهج غيرُهُ مثلَ هذا النَّهج، كالشَّيْخ مُحَمَّد أمين بن الشَّيْخ عباس مروَّة في مدائحه لأصدقائه من آل الأمين (مج9، ص135)، والشَّيْخ مُحَمَّد حسين شمس الدّين (مج9، ص225)، والشَّيْخ علي مهدي شمس الدّين.
وعليهِ، لا يكتمل المدحُ، بل لا مدحَ إِلاّ بِمدح النّبيّ ﷺ وأهلِ بَيْتِهِ.
ما أكثر مدائح الأصدقاءِ في شعر العامليّين، وهي ركّزت على أخلاقهم، وعلومهم، وكانت عبيرَ المحبّةِ، وأثيرَ العاطفة، حاولَ بعضُ ناظميها إبداعَ تصويرٍ جديد، ووفِّقوا لذلك.
- مدح الأقارب:
كان ذلك بيّنًا في الأَشْعارِ الْعَامِلِيَّة. وعلى قلّة مدائح الشّعراءِ لوالديهم، نعثر على بعضها في أَشْعار العامليّين، وهي مثل بقية أشعار المديح لا تكتمل إلا بذكر محمّدٍ ﷺ وآله؛ فقد مدح الشَّيْخ علي زيدان المعركي أُمَّهُ إذ ربّتْهُ على حُبِّ أهل البيت (مج8، ص365). ومدح السَّيِّد كاظم الأمين ابن عمّه السَّيِّد جواد بأصله الممتدّ إلى الرَّسُوْل ﷺ والإمام عليّ (مج9، ص463)، وكرّر مدحه بآل هاشم، أُسِّ المجدِ وعماده (مج8، ص464)، ومدح بني عمه بنسبهم الشّريف (م.ن، ص472). وفي ثنايا قصيدةٍ لابن عمّه السَّيِّد محمود يَعِظُهُ فيها بِشَتَّى أَنْواعِ الْمَوَاعِظِ يُعَرِّجُ على ذِكْرِ الإمام الحُسَيْنِ داعيًا إيّاه إلى زيارته والتّفاعل معه، مستحضرًا كامِلَ أُسُسِ السِّلْسِلَةِ الْمُقَدَّسَةِ (م.ن، ص472). ولم يمنع الطّابع السّوداويّ الحزين الطّاغي على أشعار عبد المطّلب الأمين من المديح؛ فقد مدح ابن عمٍّ له وعائلته ببعض الأبيات من قصيدةٍ طويلةٍ مُتَعدّدة الأغراض (م.ن، ص461).
لَقَدْ نُظِمَتْ معظم قصائد المديح الْعَامِلِيَّة في النّبيّ ﷺ وأهل بيته، أو في الأساتذةِ والأصحابِ. ونجد في الشّعر العامليّ بعض مديح الأمراء والزَعماء، ولكنّه قليلٌ.
خلاصة: مِيزات المدائح الْعَامِلِيَّة
من مِيزات أشعار المديح الْعَامِلِيَّة عدم استقلالها بالغرض، بل يأتي المديح في سياقٍ متنوّع الأغراض، مُهِّدَ له غالبًا بمطلعٍ تقليديٍّ طَلَلِيٍّ، أو غزليّ، أو أشعار نجوى وشكوى، أو بحكمٍ ومواعِظَ. كما يلاحظ الدّارس لهذه الأشعار أنَّ مدح الممدوحين، علماء كانوا أم أمراء، غالبًا ما قاد إلى مدح الرَّسُوْل ﷺ وآله، وكأنّ المدح الصادق لا يكون إلاّ بمدحهم؛ فهم أهل المدح الحَقِيْقِيُّوْنَ في نظرهم. ولذلك دلالةٌ أخرى على مركزية الرَّسُوْل ﷺ وآله في وعي علماء جبل عامل وشعرائه وفكرهم الدِّينِيّ. وغالبًا ما كان الشَّاعِر يمدح ممدوحه المتحدّر من سلالة الرَّسُوْل ﷺ ، ويعظِّمه بالنّبيّ ﷺ وأهل بيته. وتبعًا لذلك اكتسب المديح العامليّ بعدًا دينيًّا.
وتمتاز قصائد مدح الرَّسُوْل ﷺ وآله باستخدام المعاني، والصّفاتِ، والخصائص التَّقليديَّة ذاتها التي وُسِموا بها منذ عُهُوْدِهِم. وتدلّ كثرة أشعار المديح والرّثاء الْعَامِلِيَّة ذات الطّابع الشّخصي في مُعْظَمها، وغياب المديح التّكسّبيّ، وندرة السّياسيّ منه، وارتباطه بنظرة دينيّة إلى الأمراء حماةً للجبلِ وأهله، كلّ ذلك يدلّ على طبيعةِ العامليّين الطّيّبة، الغنيّة بالعاطفةِ والوفاء، والملتزمة عمومًا؛ الأمر الذي أبعد العامليّين عن الأمراء، والملوكِ، والسّلاطينِ، وقصورِهم، وطبعَ مدائحَهم بلون الصّدقِ، وَإِنْ بالغوا أحيانًا، بحكم الضّرورة والمزاج الشّعريَّيْنِ.
ويرتبط هذا المنحى بأُمُورٍ، أهمّها تشكّل الفئة المثقّفة والأدبيّة من علماء الدّين عمومًا، ومعاداة المحيطِ لهم لأسبابٍ مذهبيّةٍ وسياسيّةٍ في مُعْظَم المراحل التّاريخيّة، وابتعاد أمصارهم من عواصم الأدب السّياسيّ، وقصور الحُكّام، وأماكن التّنافس على التّكسّب والمناصب قربَ الزّعماء.
من هنا، نرى قلّة الإبداع في أَشْعار المديح الْعَامِلِيَّة؛ وذلك لأنّها قيلت لا طمعًا بتمجيدٍ أو هدايا وأعطياتٍ، فَتُبْذَلُ فيها المواهب، وَتُسَخَّرُ لها القرائح، لإرضاء الممدوح، ونيل عطاياه، ومنافسةِ المدّاحين، بل نُظِمَتْ على السّجيّة، تعبيرًا عن أحاسيس الذّات وقدراتها. وكان معظمها في غير الأمراء، بل حتّى مدح الأمراءِ لم يكن تكسّبيًّا.
ثانيًا: المراثي غير الدّينيّة:
وهي ما لم يكن منطلقها دينيًّا بَحْتًا، بل ما جاء في رِثَاء الأهلِ، والأقرباء، والأصدقاء، والأحبّاء، والأساتذةِ، أو أحد خواصّهم. وقد عبّر الشِّعْرُ الرّثائِيُّ عن عاطفةٍ صادقةٍ ووفاءٍ تجاه المفقود وعائلته على السّواء، وإن ظهرت مبالغات فيه أحيانًا. أمّا على صعيدِ المعاني المتداولة فيه، فَقَدْ قَلَّدَ العامليّون غيرَهم من شعراءِ العربِ، وتناولوا الصِّيَغَ، والصُّوَرَ، والمعانيَ نَفْسَها، وأتوا ببعضِ الجديدِ بوحيٍ من تجاربهم الذّاتيّةِ.
وكان رثاء المفقود مناسبةً لرثاء أو مديح أعزَّاء آخرين له. وكثيرًا ما امتزج الْمَدِيْحُ بِالرِّثاءِ، بَلْ رُبَّما غَلَبَ عَلَيْهِ. وغالبًا ما تحوّلَ رثاءُ الصَّدِيْقِ إِلَى لَوْحَةٍ تَعْكِسُ وَهْجَ الإمام الحسين، فَتَرْثِيْهِ وَتَذْكُرُ ما جرى عليه. نذكر من المجيدين في رثائيّاتهم عبد المحسن الصّوريّ الذي عرف عنه صدقه وسجيّته في أَشْعاره؛ فجاءت أبياته حلوة المذاق، جديدة الصّفات؛ فقد رثى أبا الجيش حامدًا (مكّي: الحركة الفكريّة والأدبيّة في جبل عامل، م.س، ص59)، والشَّيْخَ الْمُفِيدَ (ت 413ه)، مصوّرًا كُفْرَ الموتِ بأخذه، وذهابَ العِلْمِ بِذَهابِهِ (مج8، ص98، ومج9، ص424):
بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَنُوْنِ مِنَ الْإِيْـ – ـمَانِ لَمَّا اعْتَدَتْ عَلَى الْإِيْمَانِ…
يَطْلِبُونَ الْمُفِيدَ بَعْدَكَ وَالْأَسْـ – ـمَاءُ تَمْضِيْ فَكَيْفَ تَبْقَى الْمَعَانِي؟…
مَضَىْ مُسْتَقِلًّا بِالْعُلُوْمِ مُحَمَّدٌ وَهَيْهاتَ يَأْتِيْنا الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ
وأبدعَ تصويرًا في رثائه لأمّه حيث شكا وتألّمَ لعدمِ شكواها؛ لأنّ ذلك مؤشِّرٌ على رحيلها، والأجمل منه كنايته عن تلاشِيْ أَمَلِهِ وانحلال عقدةِ أمانه بفقدها “تَوَلَّتْ فَحَلَّتْ عُرْوَةَ الْمُتَمَسِّكِ” (مكّي، م.س، ص59).
ومن الوفاء الجميل ما رثى به عبد المحسنِ صديقه الفضل بن سلمة الذي كان يواسيه ويبكي لأجله؛ فبكاهُ الصُّوريُّ مُحَاولًا ردَّ الجميل الكبير، وما أجملها من مبالغةٍ معبّرةٍ عن حجم الدَّيْنِ الْمُثْقَلِ بِهِ كاهِلُهُ (م.ن، ص60):
إِنْ تَبْكِهِ عَيْنِي فَقَدْ طَالَمَا أَبْكَيْتُهُ حُزْنًا عَلَى عَيْنِي
أَوْ تَجْرِي عَيْنَايَ عَلَيْهِ دَمًا فَإِنَّمَا أَقْضِي بِهِ دَيْنِي
ونَظُنُّ أنَّ أحدًا لم يباشر هذا المعنى منْ قَبْلُ؛ فهو من جديدِ العامليّين.
وشكّلَ رحيل السَّيِّد كاظمَ الأَمِيْن في أعين السَّيِّد جوادُ مرتضى العامليّ مصيبةً عظمى هزّت الجبال الرواسي، وصمّتِ الآذان، بل دوّى وقع صليلها في أرجاء الكون (مج8، ص473):
وَنَازِلَةٍ في الدِّيْنِ جَلَّ نُزُوْلُهَا يُزَعْزِعُ رَيْعَانَ الْجِبَالِ حُلُوْلُهَا
مثالٌ آخر ما رثى به الشَّيْخ عليُّ مهدي شمس الدّين صديقَهُ السَّيِّد محمّد محمود الأمين (مج10، ص48-52):
قَدْ كُنْتَ لِلدِّيْنِ الْقَوِيْمِ دِعَامَةً وَلِشُرْعَةِ الْمُخْتَارِ كَهْفَ أَمَانِ…
يلاحظُ دوران معظم المراثي في فلك المعاني الدّينيّة، والتّركيز على معانٍ بعينها، كحمايةِ العالِمِ للدِّينِ، وانهدام أركانهِ برحيله؛ لعلّهم متأثّرون بأحاديثَ شريفةٍ في هذا المجال، مثل الحديث: “موت العالم ثلمةٌ في الإِسْلام لا يسدّها شيء…” (الطّبرسيّ: مجمع البيان، لا ت، لاط، ج6، ص44)، كما يلاحَظُ كَثْرَةُ أشعارِ الرِّثاءِ الْعَامِلِيَّة على مدى الأَعْصُرِ كُلِّها، وأبرزها رثاء الأساتذة، والأصدقاء، والأب، والأمّ، والأخ، والأخت، والأمراء أو أقربائهم (الرِّثاء السِّياسيّ)، وغير ذلك.
1- رثاء الأساتذة:
وهو يَدُلُّ على خَصْلَةِ الوَفاءِ الإنسانيّة تجاه الْمُعَلِّمِ ذِي الأفضال في تكوين علوم تلامِيْذِهِ. وَشَوَاهِدُهُ لافِتَةٌ في كَثْرَتِها. وتتميّز بِطَرْقِها للمعاني المتداولة في الرّثاء، كتشبيه الفقيد بالبدر الذي يغيب، أو الشّمس التي تنكسف، أو الدّرّ المفقود، وأنّه فردُ زمانِهِ، وبالتّركيزِ على القيمِ الأخلاقيّةِ والفضائلِ الحسنة التي تمتّعَ بها. لكنّ اللاّفت فيها أنّها تركّز على قيمةِ الرّاحِلِ العِلْميّة، وموت الفضائلِ، وذَهَابِ العلمِ أو تدهور أحوالِهِ، وحدوثِ زلزالٍ لا يُوْصَفُ بِذَهَابِ العالِمِ. وفي الأحوالِ كُلِّها ظهرت المبالغات فيها بَيِّنَةً واضِحَةً؛ وهي لا تُنافي صدقَ عواطِفِهم، ولعلّها كانت من بابِ “أَعْذَبُ الشِّعرِ أَكْذَبُهُ”.
سنحصي عددًا ممّن رَثَوا أساتِذَتَهُم، ونكتفي بسردِ بضعة شواهدَ على ما عمّمناه، ونلحظ مدى نمطيّتها وتطوّرها، وأهمّ ما يميّزُ معانيها، والمؤثّرات في صياغتها.
رثى الشَّيْخ علي بن علي العامليّ (ت 855ه) شيخَهُ أحمد بن مُحَمَّد بن فهد الحلّي (مج8، ص294)، والشَّيْخُ إبراهيمُ البازوريّ (ت بعد 918ه) أستاذَهُ بهاء الدّين مُحَمَّد بن الحسين العامليّ (مج2، ص107):
شَيْخُ الأَنَامِ بَهَاءُ الدِّيْنِ لا بَرِحَتْ سَحَائِبُ الْعَفْوِ يُنْشِيْهَا لَهُ البَارِي
مولى به اتَّضَحَتْ سُبُلُ الْهُدَىْ وَغَدَا لِفَقْدِهِ الدِّيْنُ في ثَوْبٍ مِنَ الْقَارِ
نظرًا إلى كثرتهم، سنحاولُ ذكر أهمّ المعاني التي تصدّوا لها في مراثيهم؛ فقد رثوا العِلْمَ بموتِ العالِم، وأكّدوا على الثَّلْمِ الذي أحدثهُ غياب هؤلاء عن ساحةِ العطاء؛ على سبيل المثالِ رثى الشَّيْخ نجيب الدّين علي بن مُحَمَّد العامليّ أستاذيهِ السَّيِّد محمَّد صاحبَ المدارك، والشَّيْخ حسن صاحبَ المعالم (مج8، ص334) بقصيدةٍ، وهو في ترحاله لَمّا بلغه خبرُ رحيلهما، صوّرَ فيها انقلابَ أحواله وَمَنْ حَوْلَهُ من النّورِ إلى الظُّلْمَةِ، وركّزَ على مكارمهما ودورهما الرّائد في حركةِ العِلْمِ والبحث (مج8، ص334):
كانَتْ لَيالِيْنا بِهِمْ مُبْيَضَّةً وَلِفَقْدِهِمْ أَيَّامُنَا سَوْدَاءُ…
إِنْ عُدَّ ذُوْ فَضْلٍ وَعِلْمٍ زَاخِرٍ فَهُمُ لَعَمْرِي القَادَةُ العُلَمَاءُ
وَرِثُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ كُبَراءُ قَدْ وَلَدَتْهُمُ كُبَراءُ…
ومثله فعلَ الشَّيْخ علي زيني العامليّ في رثائه الآقا مُحَمَّد باقر البهبهاني (ت 1205ه)، وتعزيةِ السَّيِّد الطّباطبائي به، مشيرًا إلى موت العِلْمِ وَغَيْضِ بحره بموت العالِم (مج8، ص328):
ورثى الشَّيْخ إبراهيم بن يحيى أستاذه السَّيِّد أبا الحسن (ت 1194ه) بالمعاني التّقليديّة مؤكّدًا على قيمته العلميّة في العلومِ الدّينيّةِ كلها (مج2، ص242، ومج10، ص185)، وبالغَ السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن موسى الأمين أَشَدَّ مبالغةٍ في رِثَاء أستاذه الشَّيْخ جعفر، صاحب كشف الغطاء، إذ حَسِبَهُ “الدّين والدّنيا”، ووازى فقده بِــ”فقدانِ النّبِيّ وصِنْوِهِ عليّ” (مج8، ص323)، وأكّدَ على دورهِ العِلْميّ بكناياتٍ ومقارناتٍ جميلةٍ وبليغةٍ.
وكرّر تلامذتُهُ وأصحابُهُ المعنى نفسَهُ، كالشَّيْخ صادق بن إبراهيم بن يحيى، وسار كلّ من رثى أستاذه أو عالِمًا مُتَقَدِّمًا عليه سِنًّا وَعِلْمًا على هذا النّهجِ.
كذلك اشتركوا في إيراد فكرة انهدام الدّين بفقد العلماء. ويجد المتقصِّي لأشعارهم عشرات الشّواهد على ما نقول؛ فهذا الشَّيْخ علي زيدان المعركيّ (ت 1289ه) يرى موتَ الهُدَى وثَلْمَ الدّينِ بموت العالِم (مج8، ص324-326)، ونجد المعنى نفسَه في رِثَاء السَّيِّد حسنِ محمود الأمين المرجعَ أبا الحسن الأصفهاني (ت 1365ه) (مج2، ص334). ورثى الشَّيْخ علي مروّة أستاذه السَّيِّد علي محمّد الأمين، ونَعَتَهُ بإمام الْمُتَّقين، وقطب اللّه والدّين، ورأى رحيلَهُ ثلْمًا في الدّين، وعلّقَ الآمال على عقبهِ (مج8، ص204)، ثمَّ مدحَهُ بالمعاني التَّقْليديّة (طود، بحر ندى،..)، ثُمَّ يستعمل أساليب الجاهليّة كالدّعاءِ بالسُّقْيا، وغير ذلك ممَّا سبق ذكره (مج8، ص203-204). وكعادة الكثيرين ينتقل الرّاثي من معاني الحُزْنِ إلى مدح خليفةِ الْمُتَوَفّى أو قريْبِهِ.
إذًا، يَرْبِطُ الشّعراء بين فقد العالمِ وخسارة الأمّة، والثّلمِ في الدّين، ويرثونه مركّزين على دورهِ الدّينيّ العلميّ والإرشاديّ، ويذكرون صفاته، ومناقبه، مستخْدِمِيْنَ صور التّشبيه التّقليديّة (بدر، سراج، شمس). ومعظم هذه الصّور تقليديّةٌ، ورد مثلها في أَشْعار السّابقينَ منذ عصر الجاهليّة؛ فلم يأتِ معظم شعراء جبل عامل بشيءٍ جديدٍ في تشابيههِم واستعاراتهمِ، وهو يرثون أصحابهم، بل أعادوا مكرورًا من الصّورِ والصّيغ.
2- رثاء الزّعماء والأمراء: الرّثاء السّياسيّ
تغلب المحاباةُ والعصبيّةُ على مراثي الزّعماء والأمراء، فتطغى فيها المبالغاتُ المألوفةُ، ولا سيَّما إذا صدرت عن أناسٍ عادِيِّين طامحين إلى المالِ أو الجاهِ أو الحُظْوَةِ. لكنّها لن تكون كذلك إذا صدرت عن علماءِ دينٍ زاهدين في شؤونِ الدُّنيا من سلطانٍ وثراءٍ. وهذا ما اتَّسَمَ به الرِّثاء السِّياسيّ العامليّ في الْحِقَب الزمنيّة لبحثنا.
نتيجةً لذلك، تميّزَ الشِّعْرُ العامِلِيّ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شِعْرَ بلاطٍ وسُلْطة؛ فنحن، وإنْ كنّا نَجِدُ بعض المديح والرّثاءِ لِزعماءَ عامليّين، فإنَّهُ ينحدرُ من منطلقاتٍ دينيّةٍ وَمَذْهَبِيَّةٍ لما قاموا بِهِ من دورٍ في المحافظةِ على الجبل، وأهله، وبعضِ حقوقهم آنذاك؛ لذا قَلَّ أَنْ تجد رثاءً عامليًّا تكسّبيًّا.
فالملاحظُ في المراثي الْعَامِلِيَّة للأمراء غلبة العاطفة الصّادِقة عليها؛ فقد ربطت بين علماءِ الدّينِ وأمراءِ جبل عامل علاقةٌ متنوّعة الأبعاد، يميِّزُها الرّابطُ الدينيّ الولائيّ لأهل البيت، والنّظر إلى الأمراءِ كحماةٍ للدّيار. وغالبًا ما قادَ رثاء الأميرِ الرّاحلِ إلى مدح أبنائه، أو أخيهِ، أو قريبٍ له، ممّن تسنّموا منصب الإمارة. أمّا معانيها، فَمُشْتَرَكَةٌ والمراثي السّياسيّة في الشّعر العربيّ، وتتميّز منها بالرّبْطِ بين المرثيّ وأهل البيت أحيانًا. وأهم معانيها التّبجيل بصفاتِ الأخلاقِ الحميدةِ، والمعالي، والكرم، والجود، والشّجاعة، والسّؤدد. نقدّم بَعْضَ تِلْكَ الْمَراثِي في الأُمَراءِ العَامِلِيِّيْنَ؛ رثى الشَّيْخ عليُّ زيدان أميرَ جبل عامل حمدَ البَيْك (ت 1269ه)، ومدح خلَفَهُ ابنَ أَخِيْهِ عَلِيَّ بك الأَسْعَدِ في مرثيّةٍ طويلةٍ جدًّا (مج8، ص365. تبلغ القصيدة 84 بيتًا، ص365-366)، رثاه فيها بمحامد الصّفات، والشّجاعة، وامتازت مرثيّتُهُ بتكرار بعض المفردات المختصة بالمرثيّ، مثل “فتى” خمس مَرَّاتٍ في أَبْياتٍ مُتَتَالِيَةٍ، “مَنْ ذا” مرَتين، “مَنْ” عدَّة مرَّات، تأكيدًا على أهمّيّةِ المرثيّ، وعلى مدى انفعال الشَّاعِر بفقدِهِ. وامتازت قصيدته بكثرةِ استعمال الجمل المتوازنة صياغةً وطولًا، وبمعجمٍ لفظيٍّ فخم. كما رثاه السَّيِّد مُحَمَّد الأمين الثّاني بأجلِّ معاني الرِّثاء ومحامد الصِّفات، مع جمالٍ في التَّصوير، وتكرار بعض التَّعابير للدّلالة على مدى التَّأثُّر النَّفْسيّ والانفعال، ما يشير إلى صِدْقِ العاطفة وجليل الحزن في مدلولاته المتنوِّعَةِ، مثل تكرار “ذهب الذي” في أبياتٍ ثلاثٍ متواليات، وترداد “كم”، و”مالي؟”، و”أين الذي”. نقرأُ بعض هذه الأبياتِ الرِّثَائيَّةِ الْمُعَبِّرَة (ج9، ص128):
أَمُكَلَّفٌ أيَامَ دَهْرِكَ مِثْلَهُ؟ هَيْهَاتَ ذَلِكَ أَصْعَبُ التَّكْلِيْفِ
فَكَأَنَّنِي لَمَّا ذَكَرْتُكَ شَارِبٌ يَهْتَزُّ لِلْوَجْدِ اهْتِزَازَ نَزِيْفِ
مَنْ ذَا أَمَالَ عَنِ البَسِيْطةِ طَوْدَها قَسْرًا فَخَفَّ وَكَانَ غَيْرَ خَفِيفِ؟
ونلاحظ جمال تشبيه التّمثيل، والمبالغة في وصفه بالطّود الثّقيل المائل ضرورةً، البادي خفِيفًا لِخِفّة ظلّه.
ورثى السَّيِّد كاظم الأمين الأميرَ حمد البيك بقصيدةٍ طويلةٍ، بما هو مألوفٌ في المراثي من رؤيته فرد زمانه، وبدر الدّنيا الكامل…( مج8، ص466). سنورد شاهدًا يؤكّد ما ذهبنا إليه من تفسير الرّابطة الوثيقة بين الأمراء وبعض العلماء، ما يُمَكِّن من فهم قضِيّةٍ غريبة، وهي أَنْ يمدح علماءُ الشِّيْعَة أمراءَ بلادهم، وَهُمُ الْمَعْرُوْفُوْنَ بِتَرَفُّعِهِم عن التّكَسُّبِ، وبابتعادهم عن السُّلُطاتِ؛ يقول السَّيِّد كاظم الأمين في قَصِيْدَتِهِ ذاتها مادِحا أجداد المرثيّ آلَ نصّارٍ لِكَوْنِهِمْ أَتْباعَ النَّبِيِّ ﷺ وأهل بيته:
هُمُ آلُ نَصَّارِ الذِيْنَ سُيُوْفُهُمْ بَنَتْ لَهُمُ مَجْدًا عَلَى النَّجْمِ مُشْرِفَا
أُولَئِكَ أَتْبَاعُ النَّبيِّ وَخُلَّصُ الْ – ـوَصِيّ وَأَركْانُ الذي بِهِمَا اقْتَفَا
وشِيْعَةُ أَهْلِ البَيْتِ حقًّا كما أَتَى بِهِ النَّصُّ عَنْ مَوْلَىً بِهِ الْكَوْنُ شُرِّفَا
فَذَاكَ هُوَ الْفَضْلُ الْمُبِيْنُ لَدَى الْمَلا كَفَاهُمْ بِهِ فَخْرًا عَلَى غَيْرِهم كَفَى
ورثى الشَّيْخ مُحَمَّد حسين شمس الدّين (ت 1343ه) “وحيدَ الزّمانِ” خليل بك الأسعد (مج9، ص227)، مُظهِرًا قوّة العاطفة، وشدّة المبالغة، وتشخيص المعنويّات والمجرّدات في كامل القصيدة؛ ولعلّ متانة صداقتهما هي المفسّر لذلك. ويؤكّد الشَّاعِر في رثائه له على بطولاته وفروسيّته أيّام حياته وحركته:
قَدْ كُنْتَ لِلثَّغْرِ الْمَخُوْفِ طَلِيْعَةً فَرْدًا وَيَحْسَبُكَ الْعَدُوُّ مواكبا
كانت قَنَاتُكَ والبَنَانُ كِلاهُما هَذِي تَسِيْلُ دَمًا وتِلْكَ مواهبا
نلاحظ كثرة الْمُقابلات المساعِدَةِ على إِبْرازِ صُوَرِه ومعانيه: فرد – مواكب، قناتك والبنان، هذي وتلك…وقد ساعدته في المبالغة في وصف أمواج الرّعبِ التي يثيرها إقدامه فردًا، فيحسبونه جيشًا عرمرمًا لشدَّةِ بأسِهِ. وأجمل منها صورة سيلان الدّماء وفيضان العلم والمواهب…
بَقِيَ أَنْ نُوْرِدَ بَعْضَ الشَّواهِدِ حول اقتران معظم قصائد الرّثاء بمدح ابن الفقيد، أو خليفته في دَوْرِهِ، وَبِمَدْحِ آبائه؛ منها أبياتٌ للشيخ محمّد شمس الدّين يمدحُ بها ابني عمّ مرثِيّه السَّيِّد جواد الأمين من القَصِيدة نفسها (مج9، ص226):
وَبِعَلْيا مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ أَصْبَحَ الْكَوْنُ ثَغْرُهُ بَسَّامَا
عَلَمَا مَفْخَرٍ وَبَدْرَا كَمَالٍ بِهِمَا اللهُ أَيَّدَ الإِسْلامَا…
فرثاءُ الأمراءِ والزّعماءِ حوى الأمور التّقليديّة، وشهد بعضَ الأفكارِ والأساليب الجديدة، ولم يكن تكسّبيًّا رخيصًا كما كان الأمر سائدًا؛ فالقلّة الْعَامِلِيَّة المادحة لبعض الأمراء علماء دِيْن.
3- رثاء الشُّهداء:
يرتفع الشّهداء عنْ هَذِهِ الأرضِ إلى الأعالي بنضالهم، وبذلهم لِأَغْلَى البِرِّ في سَبِيْلِ قَضَايَاهُمْ؛ فيحظون بالقَدَاسَةِ وَالاحترام، ويخلّد الشّعراء ذكرهم بأبياتِ التَّمْجِيْدِ وَالرِّثَاءِ.
لم نجد نماذجَ قديمةً، بل عثرنا على قصائد في مرحلةِ النَّهْضَة وما بعدها.
تزخر رثائيات الشّهداءِ بعباراتِ الثّورة، والتّمرّدِ، والإباء، وتمتلىء جدران قلوبها بلوحاتِ الدّماء الزّاكيَةِ، وأرواحِ الثّائرين، وكلّ ما له علاقة باستنهاض المجتمع، وتربط قضايا الشّهداءِ بالإمام الحسينِ مُلْهِمِ الثُّوَّارِ والشُّهَداء؛ فهي أشعار التزامٍ.
نموذج: قال عبد المطَّلِب الأمين (ت 1394ه) في رِثَاء شهيد (مج8، ص110):
فِدَاءٌ لِنَعْلِكَ يَا ابْنَ الفِداءْ خنوع الرّؤوسِ وذلّ الرّياءْ….
رؤوسُ الخُنُوْعِ أَمَامَ الطُّغاة …
نَجِيْعُكَ هذا النَّبِيّ الفَرِيد نَذِيْرُ الدَّمَارِ أَمَامَ البِنَاءْ…
نجيعك هذا الحسين الجديد فَفِيْ كُلِّ يَوْمٍ لَنَا كَرْبَلاءْ…
أيا ابنَ الفَقِيْرِ وَأَنْتَ الْغَنِيُّ تَهَاوَىْ عَلَىْ نَعْلِهِ الْأَغْنِيَاءْ…
فهو يرثي الشّهيد، يستقبح خنوع النّاسِ أمام جلاّديهم، يَأْمُلُ بغدٍ واعدٍ، يرى الغِنى الحقيقيّ غنى النّفسِ بالعِزّةِ والإباءِ، ويرى الحسين في كلٍّ شهيدٍ يحمل قضيّة حقٍّ كأبطالِ كربلاء.
نسجّلُ قلّة أَشْعَارِ رِثَاءِ الشُّهَداءِ حَتّى بِدَاياتِ عَصْرِ النَّهْضَة، بسَبَبِ الخوف، والمداراةِ للسّلطاتِ والحكّام.
4- رثاء الأصدقاء والأقرباء:
تعدُّ الصّداقةُ بين النّاس من أجمل أمور الدّنيا، قد تنشأُ في مرحلةِ الطّفولة، وتمتدّ حتّى الموتِ، وأفضلها ما يفي به آخر الأحياءِ تجاه مَنْ سبقوهُ إلى العالَمِ الآخر. ولعلّ الرّثاءَ بالشّعرِ أكثر بقاءً، يخلّد ذكراهم وأخبارهم، تنقله الأجيال جيلًا بعدَ جيل. كذلك تعدُّ مواساة المفجوع بفقدِ عزيزٍ من مظاهرِ الأُخُوَّة، ومِنْ مُجَسِّداتِ الوفاء تجاه الرّاحل. وقد كثرت في أَشْعار العامليّين، وامتازت بغناها الوجدانيّ الحزين، وبِرثاءِ المفقودِ وتبيانِ فضائله، ثُمَّ الخلوص إلى مدح المعزّى.
وَغَلَبَ على قصائدِ رِثاء الأصدقاءِ والأقرباء استخدام المعجم الدِّيني والفقهي، والمألوف من صفاتٍ، وتشابيه، وتعابير، مثل خسارة الأمّة والدّين بفقده، وذهاب العلمِ بذهابه، وغياب الشّمس والأقمارِ بغيابه. كما انْتَشَرَ فيها حسنُ الرَّبْطِ بالرَّسُوْل ﷺ وأهل بيته؛ ولطالما تحوّلت القصيدة الخاصّة إلى قصيدةٍ رساليّةٍ ترتبط بأهل البيت، ترثيهم، وتحكي آلامهم، وتَنْشُرُ فَضَائِلَهُم وَقَضاياهُمْ، وتُثِير أمورًا تخصّ المجتمع الإسلاميّ.
وبين الحينِ والآخر لَحَظْنا إشاراتِ تجديدٍ في المعنى أو الأسلوب، ولا سيّما لدى الشَّيْخين عبد الحسين صادق ومحمد حسين شمس الدين، ولدى عبد المطّلبِ الأمين الذي جعلَ من الأشعارِ وسيلةَ كشفٍ عن التّجربة الذَاتيّة في العاطفة، والدّين، والسّياسة، والهموم الاجتماعيّة، وقراءة التّاريخ.
وتُعَدُّ مَراثِي الشَّيْخ جمال الدِّين إبراهيم بن الحسام (ت بعد 669ه) من أقدم مراثي الأصدقاء، كَمَرْثِيَّتِهِ في نجيب الدّين بن الحسين حيثُ شبّهه بنورٍ جعلت ثرى الأَرْضِ التِي تَضُمُّهُ منيرًا، شاغلًا أعلى مراتب الشَّرَّفِ، وَمَطْلَعُها (مج2، ص123):
عَرِّجْ بِجِزّينَ يا مُسْتَبْعِدَ النَّجَفِ؛ فَفَضْلُ منْ حلّها – يا صاحِ – غيرُ خفِي
نورٌ ثَوَىْ في ثَرَاهَا فَاسْتَنَارَ بِهِ وَأَصْبَحَ التُّرْبُ مِنْهَا مَعْدِنَ الشَّرَفِ
ثُمَّ يُظْهِرُ دَفقًا عاطِفِيًا نحو مَرْثِيّه، ويبرع في تصويرِ لوحةِ ذوبانِ كَبِدِهِ صَبْرًا، وانسكاب دمعه الْمُخَّزَّنِ ليوم الفاجعةِ بِرحيلِ عزيزه، وهو لا يريد لمقلته أن تتوقّف بل يأمرها بأن تصبّ الدُّموع صبًّا:
فَلَا تَلُوْمَنَّ إنْ خِفْتُمْ عَلَى كَبِدِي صَبْرًا وَلَوْ أَنَّها ذابَتْ مِنَ اللَّهَفِ
لِمِثْلِ يَوْمِكَ كَانَ الدَّمْعُ مُدَّخَرًا بِاللهِ يَا مُقْلَتِي سُحِّيْ وَلَا تَقِفي
ويتوالى رثاءُ الصّديقِ لِصَدِيْقِهِ؛ فها هو الشَّيْخ حسن بن الشّهيد الثّاني (ت 1011ه) يرثي صديقه السَّيِّد علي بن حسين الصّائغ الجزّيني (ت 980ه) (مج8، ص205) بقصيدةٍ ركّزَ فيها على المعاني الجليلةِ المبَيِّنَةِ لِقَدْرِ العُلَماءِ، وما يتركه رحيلهُم من فراغٍ، وما يُحْدِثُهُ منْ ضياع الحقّ، وانتشار الجهل (مج8، ص205)، كما رثى صَدِيْقَهُ محمّد بن الحرّ (ت 980ه) بأبياتٍ رقراقةٍ عكست وحدة فؤاديهما (مج5، ص97).
ويُعَدُّ السَّيِّد كاظمُ الأمين من الشُّعَراء العامليّين الذين رُثُوا بِغُرَرِ القصائد؛ فقد رثاه كثيرون (مج4، ص98، ومج8، ص473)، منهم السَّيِّد جعفر الحليّ الذي رثاه بقصيدةٍ طويلةٍ، والسَّيِّد جواد مرتضى العامليّ (مج8، ص473):
وَنَازِلَةٍ في الدِّيْنِ جَلَّ نُزُوْلُها يُزَعْزِعُ رَيْعَانَ الجِبالِ حُلُوْلُها
وَتُوْقِرُ أَسْمَاعَ الأَنَامِ بِرَنَّةٍ يُطَبِّقُ ظَهْرَ الخافِقَيْنِ صَلِيْلُها…
عَلَى كَاظِمٍ فَلْتَذْرِفِ الْعَيْنُ دَمْعَها بِإِعْوَالِ ثَكْلَىْ لَيْسَ يُطْفَى غَلِيْلُها…
وَإِنْ جَلَّ رُزْءٌ فِيكَ عِنْدَ نُزُولِهِ فَمَا مَوْضِعُ الأَرْزاءِ إِلّا جَلِيْلُها…
وهي قصيدةٌ جليلة القدر، راقية المعاني، جزلة الألفاظ، بديعة الصّور، حسنة المعاني.
ورثاهُ صاحب (الأعيان) بأكثر من قصيدةٍ (مج8، ص474)، مضمّنًا إحدى قصائدِهِ الجميلةِ الحِكَمَ، وَالعِبَر، والمواعِظَ، ومعانيَ جميلةً في الرّثاءِ والمدح، مستهلاّ إيّاها بمطالعَ طلليّةٍ تَقْلِيدِيّةٍ على طريقةِ الجاهِلِيِّينَ: “وقفتُ بِهِ”، “أُسَائِلُهُ”، وأعادَ مسألة الثَّلْمِ في الدِّيْنِ باستعارَةٍ وكنايةٍ حلوتين في قوله:
غَدَاةَ رَمَتْ أَيْدِي المنيَّةِ أَسْهُمًا بها الدِّيْنُ عَنْ عَمْدٍ أُصِيْبَتْ مَقَاتِلُهْ
وغالبًا ما كان حجم المديح يزيد على مثله في التّعْزِيَةِ والرّثاء إشارةً إلى أهمّيّة الْمُعَزَّى بالنّسبة إلى الشَّاعِر.
ومن الرّثاءِ اللّطيفِ، الجديد في أسلوبِهِ، غير المالوف عامليًّا المزجُ بينَ الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ؛ فقد رثى الشَّيْخ إبراهيمُ ابن الشَّيْخ صادق العامليّ السَّيِّد مُحْسِنَ بنَ عليّ الأمين المعاصِرَ للسّيّد كاظِمِ الأمين بقصيدةٍ طويلةٍ، متعددةّ المقاطع الشِّعْريّةِ، مختلفة الأوزان والرَّويّ، عزّى بها أخاه السَّيِّد مُحَمَّد، مازجًا فيها جَمِيْلَ النَّثْرِ بِحَزِيْنِ الشِّعْر: “الفائق أهل زمانه بخلاله وكماله، والمحسن في أقواله وأفعاله. فيا ليتني لم أسمع مقالةَ من نعاه، فإنّه ما نعى إلا دُرُوْسَ المَدَارِسِ، وخُمُول المجالِس، وتَعْطِيلَ القَوانِين، وَتَعْظِيْمَ شعائِرِ الدِّين” (مج9، ص50-51). ورثى الشَّيْخ مُحَمَّد حسين شمس الدّين (ت 1343ه) السَّيِّدَ جوادَ الأمين معزّيًا ابني عمّه مُحَمَّد وعلي الأمين ومادحهما بقصيدةٍ رَبَتْ على الأربعين بيتًا (مج9، ص225-226).
لكنَّ كثرةَ التَّقْليد لم تُفْقِدِ القَصَائِدَ بَهْجَتَها، إذ برع بعض الشَّعراء – وبالأخصّ المتأخّرونَ منهم – في الكلام بسلاسةٍ، وغنىً موسيقيٍّ، وتصويرٍ أكثر جمالًا من السّابِقِ؛ لِنَرَ على سبيل المثالِ آخر قصيدةٍ رثائِيّةٍ للشَّيْخ مُحَمَّد حسين شمس الدّين أعلاه، حيثُ نجح في حبْكِ نَسِيْجِ أَبْياتِهِ بها، مع صِياغةٍ حسنةٍ لصورٍ جديدةٍ:
بِكَ كانَ الزَّمَانُ يُشْرِقُ بِشْرًا وَالْمَعَالِيْ تَفْتَرُّ عَنْكَ ابْتِسَامَا
إِنَّ يَوْمًا بِهِ أُصِيْبَ جَوَادُ الْـ – ـمَجْدِ بِالرَّوْعِ رَوَّعَ الْأَيَّامَا
وتشاء الصُّدَفُ أنْ يمدح الشَّاعِر حبيبًا ثُمَّ يموت في حياته، فَيَرثيه بأبياتٍ أكثر صِدْقًا وتَعْبِيرًا عن الوجدان، ومشاعر الحبّ، والتّقدير، والإجلال؛ فبعد مدح شمس الدّين للسّيّد علي الأمين في حياته بقصيدةٍ طويلةٍ غنيّةٍ بالمبالغات يرثيه بعد موته بقصيدةٍ أكثر قوّةً وتعبيرًا عن تفجّر الأحاسيس؛ فلا حزنَ على غيرِهِ بعد فقده، ففقده خسارةٌ ما بعدها خسارة، خسارةٌ هدّمت أركان الدّين (مج9، ص226-227):
طَرَقَتْكَ غَائِبَةُ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ وَرَمَتْكَ عادِيَةُ الخُطُوبِ بِمُعْظَمِ…
صَدَعَتْ صُرُوْفُ الدَّهْرِ أَرْفَعَ ذِرْوَةٍ واسْتَأْصَلَتْ نَبْعَ الفَخَارِ الأَقْدَمِ
جاءَتْ بِها لِلدِّيْنِ أَعْظَمَ نَكْبَةٍ قالَتْ لِأَبْنِيَةِ الفَخَار تَهَدَّمِي
قُلْ لِلَّيَالِي بَعْدَ مَعْقِلِ هاشمٍ بُثِّي الْخُطُوْبَ، فَلا نُراعُ لِمَأْتَمِ
عَصَفَتْ بِرُكْنِ الدِّيْنِ أَيُّ مَلَمَّةٍ أَخْنَتْ على رُكْنِ الْحَطِيْمِ وَزَمْزَمِ
وهي أبياتٌ راقية النّظمِ، مُتَأجِّجَةُ العَاطِفَةِ، مُبَالِغَةٌ في وصف النّائبة التي حلّت بفقد الرّاحل. واللّافت إكماله القصيدةِ بالقوّة والتّأجُّج العاطفِيين نَفْسَيْهما. أسلوبيًّا ومعنويًّا نرى عبارة “خشَّعًا أبصارُهُمْ” المقتبسة من القرآن الكريم.
ورَثى الشَّيْخَ عبدَ الكريم شرارة (ت 1332ه) رفاقُهُ، وأَقْرِباؤُهُ من المشايخ؛ فقد رثاه الشَّيْخ عبد الكريم الزّين (ت 1360ه) بقصيدةٍ ذكر فيها مناقبه، وفضلَه، ومرتبتَهُ العلميّةَ، وعبَّرَ عن عواطفه نحو الأحبَّةِ الرّاحلِيْنَ، مشيرًا إلى أنّهُ لا يمدحُهُ إلاّ لأنّه أهلٌ لذلك (مج8، ص43):
وَنَقَدْنَاهُ فَلَمْ نَلْقَ سِوَى رَوْعَةٍ تَهْتِكُ سِرَّ الْمُنْتَقِد
واستغلّ الشَّاعِر المناسبةَ لِيُثِيْرَ قضايا مُهِمَّة أخرى، كحديثه عَنْ أَدْعِياءِ العِلْمِ. ورثاهُ السَّيِّد موسى الأمين مركّزًا على دورهِ في بناءِ المجتمعِ الصّالِحِ، كما رثاه الشَّيْخ علي شرارة مؤكّدًا على ميزةِ هدايةِ الأمّة، وإنقاذِ النّاس من الجهل والضّلال (مج8، ص44. وانظر: مج8، ص291-293)، ورثاه الشَّيْخُ عليُّ ابنُ الشَّيْخ مُحَمَّد مروَّة الحدّاثي (ت 1339ه) بِقَصِيْدَةٍ مِنْ واحدٍ وسبعين بيتًا (مج8، ص338)، وأخرى من سبعٍ وأربعين، كما رثى السَّيِّد عليَّ بنَ محمود الأمين. وامْتازَ شِعْرُهُ بِتَقَصّي الوَصْفِ والاسترسال في نسجِ تفاصيل لوحتهِ. ورثاهُ الشَّيْخ أمين شرارة مُبْدِعًا في تبيان حالِ من واراه الثّرى مِنْ مُحِبّيهِ؛ فهم حيارى كالسّكارى، وما هم بسكارى، يتدفَّقُ الدَّمع من عيونهم حزنًا وأسفًا كالدِّيمة الْمِدْرارة (مج8، ص44):
وَمَشَوْا بِنَعْشِكَ يَخْبِطُوْنَ سَبِيْلَهُم مَشْيَ الْمُشَرَّدِ في الطَّرِيْقِ الْمُبْهَمِ…
شُعْثًا تَخَالُ مِنَ القَتَام وُجُوْهَهُم قَدْ عُفِّرَتْ أَسَفًا وَلَمَّا تُذْمَمِ…
يا حَامِلِيْهِ وَجِسْمُهُ نَهْبُ الضَّنَا رِفْقًا بِنَاحِلِ جِسْمِهِ الْمُتَنَعِّمِ
وهذه الأبياتُ رائعةُ الوصفِ والتّشابيه، جميلةُ الصّور المتسلسلة، من غزارةِ همرِ دموعهم، وهم يمشون بالنَّعْشِ على غيرِ هدًى يخبطون طريقهم حائرين، مُتَعَفِّري الوجوه، يملؤها الغبار من الأسف والغمِّ، إلى سيرهم وهم يحملون نعشه، وطَلَبِهِ إليهم أن يمشوا الهُوَينا رفقًا بجسمه المتنعّم. وهي أبياتٌ لا تقلّ فصاحةً، ولا تتأخّر رتبةً عن مثيلاتها لمهيار الدّيلميّ (ت 428ه) راثيًا ابن نباتةَ (الصّفديّ (ت 764ه): الوافي بالوفيات، م.س، ج18، ص328):
حَمَلُوْكَ لَوْ عَلِمُوا مَنِ الْمَحْمُوْلُ لَارْتَاضَ مُعْتَاصٌ وَخَفَّ ثَقِيْلُ
وَاسْتَوْدَعُوا بَطْنَ الثَّرَىْ بِكَ هَضْبَةً فَأَقَلُّهَا إِنَّ الثَّرَىْ لَحَمُوْلُ
هَالُوا التُّرَابَ عَلَى دَقِيْقِ شَخْصِهِ مَعْنَى التُّرابِ وَقَدْ حَواهُ جَلِيْلُ
ورثى الشّيخ محمد حسين شمس الدّين (ت 1343ه) الشَّيْخَ عبدَ الكريم شرارة مُبَيِّنًا حالته العِرفانيّة واستغراقه في حبّ اللّه، ورُثيَ الشَّيْخ عبد الكريم الزين (ت 1360ه) من كثيرين. وجمع السَّيِّد علي بن طالب بدر الدّين (ت 1367ه) بين تعزيته للسَّيِّد علي بن محمود الأمين بِفَقْدِ عَقِيْلَتِهِ بأبياتٍ، ومديحه بباقي القصيدة (مج8، ص290).
ومن الرّثاء ما حملَ مُضافًا إلى سلاستهِ وجمالِهِ بعضَ الجِدَّةِ والنَّضَارَة، كرِثاءِ السَّيِّد عَبْد الْمُطَّلِب مرتضى (ت 1362ه) (مج8، ص99-100) السَّيِّدَ عبدَ الحسين محمود الأمين بقصيدةٍ حملت شيئًا جديدًا، إذ ضمّ إلى رثائه لِصاحِبِهِ ذِكْرَياتهما معًا، وكرّر بعض التّعابير كاشفًا عن انفعالٍ وتأثُّرٍ نفسيٍّ كبيرينِ أمام فقد عزيزه، وتوكيدٍ للفكرةِ التي يريدُ إيصالها، مانحًا أبياتهِ جَرْسًا موسيقيًّا إضافِيًا وسلسًا (مج8، ص100)، ورَبَطَ ربطًا شديدًا بين رحيل مرثيّهِ وأهل البيت، ورآه جُرْحًا وخسارةً للأنبياءِ والأئمّة.
وهناك شُعَراءُ أكثروا من رثاءِ أصدِقائهم وأقربائهم، كالشَّيْخ علي شرارة (ت 1375ه) الذي رثى ابن عمِّهِ الشَّيْخَ عبدَ الكريم (مج8، ص293):
عليك دمًا قد أَرْسَلَتْ عَبَرَاتِهَا شُؤُوْنِيْ عَسَىْ يُطْفي الْبُكَا حسراتها
أمّا المكثر في رثائهم فعبد المطَّلِبِ الأمين (ت 1394ه)، حيث نجد لهُ عددًا من القصائدِ في هذه الْمَظِنّة، وكان يَستغلّ المناسبات لِيَنْشُرَ أَفْكارَهُ السّياسيّة والوطنيّة، ونقدَهُ الاجتماعيّ والسّياسيّ. وكان هذا الأسلوب جديدًا على الشّعر العامليّ. سنكتفي بإيراد أبياتٍ من بعضها؛ قال في رِثَاء قريبٍ (مج8، ص108-109):
الشّعْبُ أصبحَ كالإِماءِ تَبِيْعُهُ لمزايدِيْنَ نَخَاسَةٌ ووقاحُ…
حَكَمُوْا وَمَا عَدَلُوْا وَدَاسُوْا حَقَّنَا فالأُسْدُ تُلْجَمُ والعَرِيْنُ يُبَاحُ…
الشَّعْبُ أَسْمى أَنْ يُبَاعَ ويُشْتَرَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُزْدَرَى ويُبَاح
وقال في رِثَاء قريبٍ آخر (مج8، ص109):
قُلْ للأُلى باعوا بأرخص ما اقتنوا ثَوْبَ الكرَامَةِ وَاسْتَكَانُوا لِلْعِدا
ما كان أَحْوَجَهُمْ وَهُمْ في غَيِّهِم لِشُعاعِ روحك ناقدًا ومفنّدا….
فالشَّاعِر يَرْبِطُ ربطًا وثيقًا بين الفقيد، والرَّسُوْل ﷺ ، وأهل البيت؛ فَكَأَنَّ رحيلَهُ يؤلِمُهُم. فالرّاحلُ يُجَسّدُ خطّ الحسينِ، وهو ملاذ الأمّة بوعيِهِ ونضالِهِ لمواجهةِ الظّلمِ. والأبياتُ دعوةٌ إلى التّمرّدِ على الظّالمين لِتحريرِ الرِّقابِ من العبوديّة، وإلى الاقتداءِ بالحسينِ والتّعَلّمِ منه. وينتقد الشَّاعِر بعنفٍ أولئك الخانعين الأذِلّاء. ونراه يعتمد هذا النّمَطَ في مُعْظَم قصائده؛ يتصدّى لكلّ القضايا الملحّة، ونختم باختيارِ أبياته السّياسيّة الاجتماعيّة من قصائده الرثائيّة الأخرى (مج8، ص110):
مأساتُكَ الْكُبْرَىْ أَعِيْشُ فُصُوْلَهَا أَنَا نَاطِقٌ فِيْهَا وَغَيْرِيْ أَبْكَمُ
مَأْسَاتُنَا مَأْسَاةُ جِيْلٍ كَامِلٍ لَا رَحْمَةً نَبْغِيْ، وَلَا هُوَ يَرْحَمُ…
5- رثاء الآباء والأبناء:
يتمالك بعضُ النّاسِ أَنْفُسَهُمْ، وَعَلى الرَّغْم مِنْ فَدَاحَةِ النّائِبَةِ يَسْتَجْمِعُون قواهم في خِضَمِّ أَجْواءِ الحُزْنِ، ويرثون أعزّ مفقودٍ لَدَيْهِمْ، ويفجّرون بالأبياتِ والدّموعِ براكينَ عواطفِهِم وَحُبِّهِم. وها نحن نجد بين العامليّين مَنْ رثوا أبناءهم متغلّبين على صعوبةِ الأمر، مثلَ الشَّيْخ علي زيدان المعركيّ الذي رثى ابنه بقصيدةٍ طويلةٍ (مج8، ص364). وامتازت أبياتهُ برقيّ معانِيها، وجمال صورها، وجدّة بعضها، وجزالةِ ألفاظِها، وبغناها العاطفِي؛ ففي كلّ بيتٍ ينبوع أحزانٍ دافقٍ يحكي قِصَّة الأَلمِ الذِي لا يَنْتَهِي إلاّ بالمَوْتِ، ويصفُ أرقه الدّائم ليلًا يرقُبُ النُّجومَ، وكيفَ تحوَّلَت ألوان حياتهِ؛ فقد كانت اللّياليّ السّوداء بيضًا بوجود ابنه، فصارت هي والنّهارات البيضاء سودًا برحيله. وأجاد في وصفِ منزلة ابنه منه؛ فقد كان أقرب لحشاه منه، وكيف أنَّهُ فَقَدَ فؤاده، وصار يتصرّف كالذّاهل.
لكنَّ الأغلبَ أَنْ يَقْضِيَ الآباءُ قَبْلَ أَبْنائِهِم، فإنْ كانوا شعراء، وساعَدَتْهُمْ قواهم جادوا بأصدق الرّثاء عاطفةً نحو آبائهم. ونحنُ نجد في العامليّين كثيرينَ مِمَّنْ رثَوا آباءهم، مثل الشَّيْخ نصر اللّه بن إبراهيم يحيى (ت 1230ه)، والشَّيْخ محمد مروّة (مج8، ص205)، والشَّيْخ محمد حسين الزّين، وعبدِ المطّلب الأمين الذي رثى والده صاحِبَ الأعيان، بقصيدةٍ رائعةٍ وطويلةٍ، فَصَّلَ في وَصْفِ لَوْحاتِهِ، وغاص في أعماق المعنى مستخرجًا دُرَرَهُ، ولعلّه تميّزَ بأسلوبهِ بين الشّعراء العامليّين، ولا سيّما أنّهُ حافظَ مع الإسهاب والإطنابِ على روعة التّصاوير، وفصاحة الكلمات، وبلاغة العبارات، منها (مج8، ص107):
أَيَقْنَعُ مَنْ حِبْرُهُ زِيْنَةٌ وَقَدْ كَانَ أَدْنَىْ حلاه الدَّمُ؟
وَيَرْضَىْ مِنَ الشِّعْرِ نَظْمَ الْكَلامِ وَمَا يَقْطُرُ القَلْبُ لا يُنْظَمُ
وهذا من بدائع المعاني؛ فعواطفُ القلبِ وجراحه الصّادقة لا يمكن لأحدٍ ترجمتها بموازٍ لها، فهي عَصِيَّةٌ على الوَصْفِ. وَأَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْبِقْهُ إلى هذه الصُّورة: “وما يقطرُ القلبُ لا يُنْظَمُ”، ثُمَّ يَسترسل واصفًا جراحَ الابن المفجوع بفقدِ أبٍ كبيرٍ كالأمين، التي خرست أمام مشهدِ رَحِيْلِ أَعَزّ عزيزٍ كما تصمتُ الأجداثُ صمتًا أبديًّا سرمديًّا. وقد كشفَ عبد المطّلبِ الأمين عن علاقةٍ وثيقةٍ وطيدةٍ انصهاريّةٍ بين الابن والأب، الابن الذي يتّخِذُ أباهُ قدوةَ، ومُعَلِّمًا، ومُلْهمًا، ومَلْجَأً عند الشّدائِدِ، وقلبًا لنموّ الحُبِّ وجعلِهِ مُشِعًّا (مج8، ص102).
6- رثاء الأمّ
تحتلّ الأُمُّ موقعًا مميّزًا في الأدبيّات الإنسانيّة والدّينيّة عند كلّ الشّعوبِ والثّقافات، ولا سيّما لدى المسلمين؛ فقد ركّزَ الإِسْلام على دورها وقيمتها؛ لذا فمن الطّبيعيّ أن نجدَ لها موقعًا لائقًا بها في أدبِ المسلمين. وقد سَلَكَ العامليّون هذا الدّرب، فمدحوا أو رثوا أُمَّهاتِهِم بذكر فضائلهنَّ الإِيْمانِيَّة، وتربيتهنَّ الصَّالحة لهم، بشِعْرٍ عاطفِيٍّ وجدانيٍّ صادقٍ تجاه أغلى المخلوقات؛ فهذا عبد المطَّلِب الأمين يرثي أمَّهُ بقصيدةٍ طويلةٍ، يسترجع فيها أهمّ أحداثِ الإِسْلام الأولى مع عليٍّ، وأبي ذرٍّ، وحجر بن عديّ، وغيرهم (مج8، ص108). وَقَدْ أقرَّ بعقوقه وتقصيره؛ فلو استطاع أن لا يلهجَ إلاَ بذكرِ اسمها وفاءً لها لفعل.
7- رثاء الأخ لأخيه
لم نعثر على شواهد كثيرة في هذا الباب، وإن كنّا نجزِمُ بوقوعِهِ مرارًا في الأدبِ العامليّ. من الشّواهد رثاء السَّيِّد عبّاس بن علي بن نور الدّين الجبعيّ لأخيه سليمان (ت 1134ه) (مج8، ص290)، ورثاء السيد محمد حسين بن عبد الله الأمين (ت 1334ه) الجميلُ لأخيه (مج9، ص260-261):
أَبانَ اصْطِباري صَوْتُ ناعيك أَحْمَدُ فَخَدِّيَ من فِيض الدُّمُوْعِ مُخَدَّدُ
وأصبحت كالطَّيرِ الكسير جناحه تغور بي الأَحْزان طَورًا وتنجد…
ولم يَبْقَ لِيْ صَبْرٌ فَفِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنَ الدَّهْرِ لي وَجْدٌ عَلَيْكَ مُجَدَّدُ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرَ أَوْبَةٌ بِهَا لَوْعَتِيْ تُطْفَى وَعَيْنِيْ تَرْقُدُ؟…
وهي قصيدةٌ وجدانيّةٌ بامتياز، غنيّةٌ بالعواطف الصّادقة، والصّور الجميلة التّقليديّة في مُعْظَمها كالاستسقاء، تحاكي القصائد العصماء وأشعار الأقدمين الرّاقية، حافلة بالكلمات الجزيلة، والتّعابير البليغة، كرّر فيها اسم أخيه أحمد ثلاث مرّاتٍ في القافِية، وتمنّى لو يعود أخوه حيًّا ليريحه من عذابه، ويمكّن عينيه من الرّقاد، وهو بذلك يؤكّد حبّه وألمه الكبيرين. وهي تدلّ على المستوى الشّعريّ العامليّ، ولا سيّما في أبواب الشّعر الوجداني. والجدير ذكره أنّ جلّ أشعاره كانت في الرّثاء.
8- رثاء الأخ لِلأخت:
تبدو العاطفة الْعَامِلِيَّة دافقةً نحو كلّ الأعزة، ومنهم الأخت الصّالحة، فَيَرْثُونها. نذكر الشَّيْخ علي السّبيتيّ الكَفْراوِيَّ الذي رثى أخته “العفِيفةَ المؤمنةَ فاطمة المتوفّاة في طريق الحجِّ” (مج8، ص304)، وعبد الْمُطَّلِب الأمين الذي افتتح قصيدة رثاء أخته بمطلعِ حكمٍ، وخلاصةِ تجارب الحياة، ثُمَّ عاد إلى أهل البيتِ، وقضاياهم، ورموزهم كالحسين وزينب، وَذَكَرَ رؤيته النّضاليّة، وتاريخ الفداءِ والإباءِ الحسينيّ، كما فعل في رِثَاء أمّهِ، ثُمَّ أحْسَنَ العودةَ إلى أختِهِ في ختامها (م.ن، ص108).
نشيرُ هنا إلى قيمة أخت الحسين زينب ودورها الأساسيّ الفعّال في حفظِ دم الحسينِ وصحبه من الضّياع، وإلى تحوّلها رمزًا محرّكًا لدى العامليّين. ومن المؤسفِ أننا لمْ نَعْثُرْ على غيرِ هاتينِ القَصِيْدَتَيْنِ في هذا الباب.
أمّا رثاء الأختِ لأخِيْها فهو شبه مفقودٍ في الأَشْعارِ الْعَامِلِيَّة حتّى أواسط عصرِ النَّهْضَة، بسبب غلبة الطّابع الرّجالي على العلمِ، والثّقافةِ، والأدبِ، والفكر.
لقد برزت عامليّةٌ ناشطةٌ ومعطاءةٌ في كثيرٍ من المجالات، هي زينب فوّاز (ت 1914م)، وكانت شاعرةً وكاتبةً، رثَتْ أخاها محمّدًا (مكّي، م.س، ص192):
مُصَابٌ عَظِيْمُ الوَقْعِ في النَّفْسِ هائِلُ وَخَطْبٌ جَسِيْمُ الصَّدْعِ لِلْقَلْبِ غائلُ
سَأَبْكِيكَ ما الأطيارُ تَأْلَفُ وَكْرَهَا وَمَا صَدَعَتْ بَيْنَ الصُّدُوْرِ البَلابِلُ
7- رثاءُ العامليّين لغير العامليّين:
إنّ رثاء العامليّين لمشايخَ وأصدقاء غير عامليّين يدلّ على ترابط بلدان العرب والمسلمينَ، وعلى ثقافةٍ اجتماعيّة تزدانُ بالودّ. ولم تختلف مراثيهم فيهم عنها في العامليّين، إلاّ في العنصر العاطفي حيث ربطتِ العامليّين عمومًا طفولةٌ، وجِوارٌ، وَدراسةٌ مشتركةٌ غالِبًا؛ فكان من الطّبيعيّ أن تكون مراثيهم في العامليّين أكثر دفقًا عاطفِيًّا.
وتمثّلت في قسمٍ كبيرٍ منها في مراثي مراجعَ وعلماءٍ كبارٍ، أساتذةً أو غير أساتذة؛ فقد رثى السَّيِّد كاظمُ الأمين صاحبَ الجواهر الشَّيْخ محمد حسن (ت 1266ه) بقصيدةٍ مطلعها (مج8، ص474):
مُصَابُكَ أَوْرَى في فُؤَادِ الهَوَى نَارَا وَفَقْدُكَ أَجْرَى مَدْمَع العَيْنِ مِدْرَارَا
معدّدًا أمورًا تقليديَّةً مُنْتشرةً في مراثي العامليّين، مثل تسليط الضّوء على علومه وفضائله، وعلى رسالتهِ في طلب الحقّ (مج8، ص475)، وعلى أهمّ منجزاته كتابه جواهر الكلام. ورثى السَّيِّد حسن محمود الأمين السَّيِّد أبا الحسن بن محمد الأصفهانيّ (ت 1365ه) (مج2، ص334)، كذلك رثاه الشَّيْخ سليمان ظاهر (ت 1961م) مصوّرًا هول رحيله وعظيم المصابِ به (مج2، ص334).
9- رِثاءُ رُمُوْزٍ وَطَنِيَّةٍ أو علميَّة
اِلْتَفَتَ الْبَعْضُ إلى العظماء بأعمالهم، وتاريخهم النِّضاليّ، ونتاجهم العلميّ؛ فَمَدَحُوْهُمْ ورثوهم، حتّى ولو لَمْ يكونوا من أصدقائهم ومعارفهم؛ فها هوذا الشَّيْخ علي مهدي شمس الدّين (مج8، ص349) يرثي المخترعَ حسنَ كامل الصّبّاح مُبْدِيًا اهْتِمامًا بهذا الرَّمْزِ الوطنيّ العلميّ (م.ن، ص353):
مُعْجِزًا كُنْتَ في صَنِيْعِكَ حَقًّا بَهَرَ الْعَالَمِيْنَ في آياتِهِ
وقد ينظم أحَدُهُمْ قصيدةً في ذكرى خاصّة لرجلٍ مميَّزٍ مثل الذِّكْرَى الألفِيَّة لِرَحيلِ المعرّي مثلًا. وإِنْ دَلَّ ذلك على شيءٍ، فإنّه يَدُلُّ على تمجيد الخالدِين من كبار أدباء العرب وشعرائهم. وقد فعل ذلك الشَّاعِر الشَّابُّ كامل بن مصباح فرحات مستذكرًا المعرّي (مج9، ص24):
اللّيالي تَمُرُّ إِثْرَ اللَّيالي وَالْمَعرِّي بِوَحْدَةٍ وَاعْتِزَالِ
هَجَرَ الْعَالَمَ الذِيْ سَادَ فِيهِ كُلُّ مَنْ تَاهَ في طَرِيْقِ الضَّلالِ
في هذه القصيدةِ نرى الشَّاعِر متأثّرًا بالمعرّي كثيرًا، متشائمًا مثله وسوداويًا. ويبدو ذلك طبيعيًا إذا عرفنا أنَّهُ أُصِيْبَ بالشَّلَلِ في سنِّ الرَّابعة عشرة من عمره. ونظم عبد المطَّلِب الأمين في ذكرى الشّريف الرَّضِيّ قصيدةً ضَمَّنَها الاتّهامات للشّريف بوضع نهج البلاغة، ونحله للإمام عليّ، والرّدود عليها، وعرّج فيها – كعادتهِ – على قضايا سياسيّةٍ. كما أَنَّه نظم في مناسباتٍ أُخْرَى راثيًا ومساهمًا في تخليد شخصيّاتٍ كبيرةٍ، كالشَّيْخ أحمد عارف الزّين العامليّ، وفيها يمدحه بإنجازه الفذّ مجلّة العرفان مسترسلًا في بيان دورها وقيمتها الحضاريّة (مج8، ص110-111).
10- رثائيّاتٌ فريدةٌ غريبةٌ:
إذا كان من الأمر الفطريِّ الوجدانيِّ العاديِّ أنْ يرثي الإنسان أعزَّته وأحبّته، فَمِنْ غير المألوف أن نرى إنسانًا يرثي حيوانًا قد رعاه أو اقتناه؛ لكنّ ذلك يحكي العاطفة والإلفة التي تنشأ بين الطّرفِين، وتحكي عن شعور الافتقاد لغيبة كائنٍ شاركه بعض شؤون الحياة، ولو كان حيوانًا. فلنقرأ شعرًا غريبًا للشَّيْخ مُحَمَّد حسين شمس الدّين المجدل سلمي (ت 1343ه) في رِثَاء حصانه (مج9، ص224):
قَدْ كَانَ لِي مِمَّا أَقَلَّتْهُ الثَّرَى جَرْدَاءُ تَكْتَالُ مِنَ الطَّيْرِ عَلَفْ
تَسْبِقُ لِلْغَابَاتِ كالسَّهْمِ انْبَرَى مِنْ كَبِدِ الْقَوْسِ إِلَى كَبْدِ الهَدَفْ
خاتِمَةٌ: مِيزات أشعار الرّثاء الْعَامِلِيَّة
إنّ تتبّع أشعار الرّثاءِ الْعَامِلِيَّة يكشف عن خصائصها المشتركة التي تتلخّص في الغنى والدّفق العاطفِي وصدقه، والتّجربة الوجدانيّة الذّاتيّة، وبالعفويّةِ وعدم التّصنّع، كما أَنَّها تمتاز بغلبةِ التّقليد والاقتباسِ عليها عمومًا في الصّور الفنّيّة، والأساليب، والمعاني، وبِطُغْيانِ معجمٍ لفظيٍّ ومفهوميٍّ دِيْنيٍّ وإسلاميٍّ، والتّأثر بالمعجم اللفظيّ القرآنيّ والحديثِيّ، والاقتباس منهما؛ ويمكن تفسير ذلك بكون جلّ الرّاثينَ والمرثِيِّيْنَ من الشّعراء العلماء.
ولم يَحُلِ التّقليدُ دُوْنَ بعض التّجديد والإبداع لدى شعراء أحسنوا في اختيار معانيهم وموضوعاتهم، وولّدوا معاني جديدةً، وأحسنوا في صبِّ قوالبها اللّفظيّة، ولم يَعُدِ الشَّاعِرُ يَحْبِسُ نَفْسَهُ، ويُقَيِّدُ ألفاظَهُ وأفكاره في جوّ المناسبةِ الحزينة، بل صارَ يَتَّخِذُها منطلقًا لطرحِ أفكارهِ في السّياسَةِ، والاجتماع، وغيرها. وهذا النّمط نراه عند بعضَ المتأخّرين.
أمَّا الشِّعْرُ العَامِلِيُّ غيرُ الدِّيْنِيِّ في الأعيان الذي يشمل بقيّة الأغراض الوجدانيّة غير المدائح والمراثي، فسنستعرضه في مقالةٍ مستقلَّةٍ، إن شاء الله.
قائمة المصادر والمراجع
- الأمين، محسن (س): أعيان الشيعة، ط5، دار التعارف، بيروت، 1998م.
- المفيد: الأمالي، قمّ، 1413ه، لا ط، ج1، ص164،المجلسيّ: بحار الأنوار، ط2، مؤسسة الوفاء – بيروت، 1983م،
- مكّي: الحركة الفكريّة والأدبيّة في جبل عامل، ط2، دار الأندلس، بيروت، 1982م.
- عبّاس، دلال: بهاء الدّين العامليّ: أديبًا وفقيهًا وعالِمًا، ط1، دار المؤرّخ العربي، بيروت، 2010م.
- الأميني (ت 1392ه):الغدير، ط4، دار الكتاب العربي، بيروت، 1977م (1397ه).
- الصّفدي (ت 764ه):الوافِي بالوَفَيات، لا ط، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت، 2000م.
فهرست الأعلام الشُّعراء العامليِّين: أبجديًّا بحسب الاسم الأوَّل وليس العائلة
- الشَّيْخ إبراهيم ابن الشَّيْخ يحيى ابن الشَّيْخ محمد العاملي الطَّيْبِيّ (1154 – 1214ه) (1741-1799م): تُوُفي بدمشقَ، ودفن بمقبرة باب الصَّغير. جمع له صاحب الأعيان 7500 بيتًا من الشِّعر، عدا ما فُقِدَ. مدح الأميرين عليًّا بن فارس الصَّعبيّ وناصيف النَّصَّار. (الأعيان، مج2، ج5، ص237-248).
- الشَّيْخ إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العامليّ الكفعمي (840-905ه)-(1436-1500م): مواليد كفرعيما من جبل عامل، وفيها مات ودُفِن. نشأ فِي جباع، درس فِي الحلّة وجزّين، شاعرٌ، له 36 مؤلّفًا، ومختصرات. (الأعيان، مج2، ص194-189).
- الشَّيْخ إبراهيم بن إبراهيم بن فخر الدّين العامليّ البازوريّ. ذكر صاحب أمل الآمل أنّه تُوُفي في طوس في زمانه أي قبل سنة وفاته 1104ه. والثَّابت وفاته بعد وفاة شيخه البهائيّ سنة 1030ه. له ديوانُ شعرٍ صغيرٌ، ورسالةٌ سمَّاها رحلة المسافر وغنية عن المسامر. له في الأعيان 64 بيتًا من الشِّعر. (الأعيان، مج2، ص106-108)، و(أمل الآمل، ج1، ص25-27).
- الشَّيْخ إبراهيم الحاريصيّ (ت 1185ه). عُدَّ في طليعة شعراء جبل عامل في ذلك العصر. وكان شاعر الأمير ناصيف بن نصَّار. وفي شعره الكثير من الحكم والامثال. (مج2، ج5، ص116-117).
- الشَّيْخ البهائيّ أو الشَّيْخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد بن محمد بن علي بن الحسين بن صالح الحارثي الهمداني العاملي الجبعي (953-1031ه) – (1546-1622م): ولد في بعلبك، وتُوُفي في أصفهان. دُفِنَ في مشهد الرِّضا وقبره مَزُورٌ إلى اليوم. كان عمره 7 سنواتٍ عندما هاجر أبوه إلى إيران سنة 960ه (1553م). من أهمّ علماء الإماميّة في الفلك، والرّياضيّات، والفقه. عالمٌ موسوعيٌ، مبدعٌ، شاعرٌ، مجيدٌ في كثيرٍ من الفنون. نيّفت مؤلَّفاته السِّتّين. كان شيخ الاسلام في أصفهان، وله منزلة عظيمة عند سلطانها الشاه عبّاس. (الأعيان، مج9، ص234-250).
- الشَّيْخ حسن بن الشّهيد الثّاني (959-1011ه) – (1552-1602م) بدأ دراسته دون السّابعة من عمره على أبيه، معاصر البهائيّ. معظم أساتذته أدباء وشعراء، فقيهٌ اشتهر بكتابه الرّائع المعالم، له 23 مؤلَّفًا وديوانُ شعرٍ كبيرٌ. يعَدُّ من أكابر المحقّقين. الأعيان، مج5، ص92-97.
- الشَّيْخ حسن صادق ابن الشَّيْخ عبد الحسين صادق (1305-1387ه)، من أحفاد الشَّيخ الشّاعر إبراهيم بن يحيى. تُوُفي في النَّبطيَّة ودُفِنَ فيها. أُسْنِدَ إِليه منصب مفتي صيدا الجعفريّ. له ديوان شعرٍ مطبوعٌ سُمِّيَ سفينة الحقِّ، جَمَعَ الكثيرَ من شعره (الأعيان، مج5، ص221-222).
- السَّيِّد حسن بن محمود بن علي الأمين (1299-1368ه): شاعرٌ، مؤلِّفٌ، صديق الْمُؤَلِّفِ. نظم مطوّلات فقهيّة. امتازت أشعاره بالرّقّة والحنين. ترجمته كبيرة، ومراثيه جمّةٌ. (الأعيان، مج5، ص283-304).
- الشَّيخ حسين بن عبد الصَّمد بن شمس الدِّين محمد بن علي العاملي الجبعي والد الشيخ البهائيّ (918- 984ه). هاجر إلى إيران بعيد مقتل أستاذه الشّهيد الثّاني، نال الحظوة عند ملوكها، فصار شيخ الإسلام فيها. له 26 مؤلَّفًا وديوان شعرٍ كبير. (مج6، ص56-)66.
- السَّيِّد صدر الدِّين محمد شرف الدين (1193-1263ه). تُوُفي في النّجف ودفن هناك.
- الشَّيْخ عبد الكريم الزّين (جباع 1284 – 1360ه)ابن الشّيخ حسين بن سليمان الأنصاريّ الخزرجيّ العامِلِيّ. وكانت جباع أعظم بلدٍ علميٍّ في جبل عامل يوم ذاك. له 13 مؤلّفًا، منها ديوان شعرٍ. (الأعيان، مج8، ص35-39).
- الشَّيخ عبد الكريم (ت 1384ه) ابن الشّيخ حسن صادق. شاعِرٌ، ألَّفَ 13 مؤلَّفًا، منها ديوان شعرٍ. عاد إلى جبل عامل فأقام في بلدة الخيام حتَّى وفاته، وَفيهَا دُفِنَ (مج8، ص34-35).
- الشَّيْخ عبد الكريم شرارة (1297-1332ه) ابن الشَّيْخ موسى: ولد في النَّجف، وَتُوُفي في بِنْتِ جبيل. شاعِرٌ، فُقِدَتْ كتبه عندما أحرقت بنت جبيل سنة 1920م. كان عرفانيًّا. كلّ شعره في الأعيان 21 بيتًا. (مج8، ص43-44).
- عبد المحسن الصّوريّ أبو محمّد بن محمّد بن أحمد بن غالب بن غلبون (ت 419ه-1028م): ذكره الثَّعالبيُّ في اليتيمة من العصرين الثَّالث والرَّابع، وهو أحد أعلام الشِّعْر العربيّ في عصرِهِ. ذكر الأمين أنّ أشعار عبد المحسن تزيد على 5000 بيتٍ، لكنّه أورد منها 191 بيتًا فقط. طبع له ديوانٌ حديثًا. (الأعيان: مج8، ص95).
- السَّيِّد عبد المطلب ابن السَّيِّد جواد مرتضى (1299-1362ه): شاعِرٌ وُلِدَ في قرية عيثا، وفيها تُوُفي. (مج8، ص99-100).
- السَّيِّد عبد المطلب الأمين: (1333- 1394ه): ولد في دمشق، وَتُوُفي في بيروت، ودفن في بلدة شقرا، وهو الولد الأصغر لمؤلّف الأعيان. عاش بعده واحدًا وعشرين سنةً. (الأعيان، مج8، ص101).
- الشَّيْخ عبد اللّه نعمة أبو الحسن بن علي بن الحسين الجبعي (1219-1303ه): كان شاعرًا أديبًا “حلو العبارة”، عذب الألفاظ،تمتّع بمعجمٍ لغويٍّ غنيٍّ وفخم. رثاه الشِّعْراء، وخلَّد ذكراه كبار علماء جبل عامل. له رسالةٌ صغيرةٌ في الطَّهارة وتعليقاتٌ على قواعد العلَّامة. أسّس مدرسةً. (الأعيان، مج8، ص60-62).
- الشَّيْخ علي بن الحاجّ حسين مروّة (ت 1280ه): توفّيَ في مصر. صادقَ الأمراء ومدح بعضهم (الأعيان،مج8، ص202-205).
- الشَّيْخ علي زيدان المعركيّ (ت 1289ه): سكن معركة قرب صور، وفيها تُوُفي. عرف عنه اهتمامه باللغة العربية وكلامه بالفصحى مع النَّاس. كان مقرّبًا من الأمير حمد البيك، ورثاه بعد موته. (الأعيان، مج8، ص364)،
الشَّيْخ علي السّبيتي الكفراوي (ت 1303ه) صاحب كتاب الجوهر المجرّد في شرح قصيدة علي بك الأسعد. (الأعيان، مج8، ص306).
- الشَّيْخ علي شرارة البنتجبيلي (1302-1375ه) ابن الشَّيْخ أحمد ابن الشَّيْخ أمين، له شعرٌ كثيرٌ، معظمه مفقود، ومنظومةٌ في مستحبَّاتِ الفقه. ترجمته في الأعيان، مج8، ص291-293.
- الشيخ علي ابن الشيخ محمد مروة (ت 1339ه). درسَ في النَّجف. عاد إلى قريته حدّاثا وفيها توفَّي (مج8، ص338).
- السَّيِّد علي بن طالب بدر الدّين (ت 1367ه في مجدل سلم). (مج8، ص290).
- السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن موسى بن حيدر الأمين (ت 1249ه)، أستاذ إبراهيم بن يحيى، وعلي مروّة، وعلي زيدان. له شرح منظومة بحر العلوم، ورسائل في التوحيد، والحيض، وحواش على شرح الصّغير. (الأعيان، مج8، ص318-322).
- السَّيِّد علي ابن عمّ المؤلّف السَّيِّد محمود الأمين (1276-1328ه): شاعرٌ وناقدٌ للشّعر. له كتابٌ في المواريث. بعد عودته من النّجف إلى جبل عامل سنة 1311ه أعاد بناء مدرسة أجداده الدّينيّة (مج8، ص340-345).
- الشَّيْخ أبو القاسم علي بن علي بن جمال الدين محمد بن طي العاملي الفقعاني نسبة إلى فقعية قرية في ساحل صور. كلّ ما أورده صاحب الأعيان له قصيدة شوقٍ – من ثُمَّانية أبيات- إلى رؤيةِ شيخه ابن فهد قبل أن يتعارفا (مج8، ص294)
- الشَّيْخ علي بن مهدي بن علي شمس الدين (ت 1373ه). تُوُفي في قرية مجدل سلم. أورد المئات من أبياته، معظمها في آل الأمين. كان قاضيًا شرعيًّا في صور وجديدة مرجعيون. (مج8، ص349-357).
- السَّيِّد فخر الدّين بن علي آل فضل الله العيناثيّ، معاصر لناصيف النّصّار. له قصيدةٌ واحدةٌ في الأعيان (مج8، ص394).
- الشيخ قاسم ابن الشيخ حسن محيي الدين (1314-1376ه). شاعرٌ، انصرف إلى رثاء أهل البيتِ ومديحهم. ألَّفَ كتبًا، منها وحي الشريف عن خصائص الشريف الرضي، وبداية المهتدي وهداية المبتدي في النحو، والمصابيح النحويَّة في شرح الألفيّة، والبيان في غريب القرآن، وله حواشٍ فقهيّة وأصوليّة، وديوان أسماه الشعر المقبول. (الأعيان، مج8، ص435-438).
- السَّيِّد كاظم (1231-1303ه): أورد له صاحب الأعيان 1136 بيتًا. (الأعيان، مج8، ص458-475).
- السَّيِّد مُحَمَّد جواد ابن السَّيِّد عبد الرؤوف فضل الله العيناثي (1357-1395ه): شاعرٌ مجيدٌ. له من المؤلَّفاتِ: صلح الحسن، وعلي الرِّضا، وحجر بن عدي، وجعفر الصادق. (الأعيان، مج9، ص209-211).
- السَّيِّد محمد بن محمد بن الحسين بن قاسم العيناثي الجزّينيّ (ت 1085ه): وُلِدَ بطوس ودفن بها.(الأعيان، مج9، ص412).
- الشَّيْخ محمّد الحيّاني العامليّ (المائة العاشرة؟) (الأعيان، مج9، ص270).
- الشّهيد الأوّل محمّد بن مكّي (ت 786ه-1384م).
- السَّيِّد مُحَمَّد الأمين الثّاني ابن السَّيِّد علي بن مُحَمَّد (1227-1297ه). تعاطى في السِّياسة واتّصلّ بالأمراء والزّعماء، ومدح بعضهم. (مج9، ص126-133).
- السَّيِّد محمّد بن محمودِ الأَمِيْن (1274-1344ه): ابن عم المؤلِّف، ولد في بيت ياحون، وتوفّي في شقراء. عاد من النّجف إلى جبل عامل سنة 1311ه. (مج10، ص48-52).
- السَّيِّد محمد الجِزِّيْنِيّ (ت 1085ه) (مج9، ص412).
- السَّيِّد مُحَمَّد (1279-1360ه) بن أمين بن علي الأمينِ، شاعرٌ أديبٌ. (الأعيان، مج9، ص133-134).
- السَّيِّد مُحَمَّد بن شرف الدّين إبراهيم الموسويّ الجبعيّ (1049- 1113ه). وهو جدّ آل الصّدر المعروفين في لبنان والعراق. كان من أعلام علماء جبل عامل، انتهت اليه الرَّياسة الدِّينيَّة فيها، ذهبت مُصَنَّفاتُهُ في فتنة أحمد الجزار. له قصيدة كبيرة في أهل البيت، لم يورد صاحب الأعيان منها شيئًا (الأعيان، مج9، ص59-60).
- الشَّيْخ مُحَمَّد بن الحسن الحر العامليّ (مشغرة 1033-1104ه طوس): وهو مشهورٌ بالعلوم الدّينيَّة، وكان شاعرًا كبيرًا مُكْثِرًا؛ له ديوان شعرٍ يحتوي على 20000 بيتًا، و28 مؤلَّفًا، أهمُّها كتاب الوسائل، وأمل الآمل في علماء جبل عامل (مج9، ص167-171).
- الشَّيْخ مُحَمَّد حسين شمس الدّين (1280- 1343ه) ابن الشيخ محسن ابن الشيخ علي المجدل – سلمي. كان شاعرًا أديبًا ظريفًا ، في الطَّليعة من شعراء جبل عامل. الأعيان، مج9، 224-231.
- الشَّيْخ مُحَمَّد نجيب مروَّة الزِّراري (1299-1376ه). ولد في قرية الزريريّة، وتُوُفي في عيثا الزطّ، وَدُفِنَ فيها. علّمته والدته مبادئ القراءة والكتابة. من مؤلفاته المطبوعة: الروض الزاهي في الأدب الفكاهي، وثُمَّرات الاسفار، وبغية الرَّاغبين في أمير المؤمنين، ومقدمة كتاب رحلة الشّتاء والصّيف، والتّحفة الصّيداويّة، والمخطوطة: العقد المنضود في أخبار الوفود، والمراسلات والمحاورات، والوصايا. (مج9، ص211-216).
- الشَّيْخ نصر الله بن إبراهيم بن يحيى العامليّ الطّيبيّ (1183ه- ت في حدود سنة 1230ه): تُوُفي في قرية عثرون. وكان شاعرًا جيد الخط، له مجموعة أدبيَّة. (الأعيان، مج10، ص210-213).
وهناك شعراء وأدباء عامليوّن ذكرهم الْمُؤَلِّفُ دون أنْ يذكر من أشعارهم شيئًا، أمثال السَّيِّد أبو الحسن بن صالح الموسويّ (مج2، ج5، ص328)، والشَّيْخ أحمد بن سليمان النّباطي، والأديب أحمد بن الحسين النّباطي (ت 1079ه) (مج2، ج5، ص569)، وغيرهم.
أعلام غير شعراء
- محمد بن محمد بن النعمان (336-413ه): أستاذ الشّريفين الرّضا والمرتضى، وشيخِ الطَّائفة الطُّوسيّ، والدَّيلميِّ. من أعظم علماء الشِّيْعَة وأقدمهم. له 195 مؤلَّفًا، منها: الجمل، المقنّعة، الإرشاد، الاستبصار، التَّهذيب. الأعيان، مج9، ص420-424.
- السَّيِّد أبو الحَسَن مُوْسَى بن حيدر بن أحمد الأمين (1138-1194ه)، جدّ المؤلّف، له أربعة مؤلَّفات. الأعيان، مج10، ص182-185.
- الشَّيْخ الأكبر جعفر ابن الشَّيْخ خضر الجناجي النجفي (1156-1228ه)، علم الاعلام، شيخ الفقهاء. انظر ترجمته في القمّي، عبّاس (ت 1359ه): الكنى والألقاب، لا ط، لا ت، ج3، ص101.
- الشيخ ناصيف النَّصَّار: ناصيف بن نصّار العاملي (ت 1195ه – 1781م): شيخ مشايخ جبل عامل. استقلّ عن والي صيدا الْعُثْمَانِيّ، تحالف وظاهر العمر، وحالفَ المصريّين. قُتِلَ في الحرب التي جرت بينه وبين عسكر الجزار قرب يارون، ودفن فيها. الأعيان، مج10، ص205.
- أمير جبل عامل حمد البيك (ت 1269ه) بن محمد بن محمود بن نصار – والد ناصيف الشّهير – بن علي الصّغير. كان شاعرًا وأديبًا، محبًّا للعلمِ مشجِّعًا للعلماء, وكانت داره محطَّ رحال العلماء، والأدباء، والشُّعَراء. ثار على المصريّين زمن محمّد علي باشا. الأعيان، مج6، ص230-233.
- الشَّيْخ أحمد عارف الزَّين (1881-1961م) (1303-1380ه): ولد في قرية شحور، وتُوُفي في مشهد الرضا، ودفن فيها. أنشأ جمعيات، وصحفًا، أهمّها مجلّة العرفان، حاكمه الأتراك والفرنسيّون لنشاطه السّياسيّ. كان شاعرًا ومُؤَلِّفًا. ترجمته في الأعيان، مج7، ص406.
حقوق النشر © محفوظة لمجلة الضاد الدولية – العدد السابع، حزيران 2025.
يُمنع إعادة نشر هذا البحث أو نسخه أو استخدامه لأغراض تجارية أو إعادة توزيعه كليًا أو جزئيًا بأي وسيلة، من دون إذنٍ رسمي وخطي من إدارة مجلة الضاد الدولية حصراً.
تنويه مهم:
يُسمح بالاستشهاد العلمي من هذا البحث، سواء بالنقل الحرفي القصير ضمن علامات تنصيص، أو بإعادة الصياغة،
وذلك ضمن الأطر الأكاديمية المعترف بها، وبشرط الالتزام الكامل بقواعد التوثيق العلمي وذكر المرجع بشكل صحيح
(اسم المؤلف، عنوان البحث، المجلة، العدد، تاريخ النشر، الصفحات).
إن الاستشهاد العلمي لا يُعدّ انتهاكًا للحقوق الفكرية، بل هو حق مشروع ضمن أخلاقيات البحث العلمي.
لأي استفسار أو طلب إذن رسمي لإعادة استخدام المحتوى، يُرجى التواصل مع إدارة المجلة عبر البريد الإلكتروني:
📩 Dhadinternationaljournal@gmail.com
الموقع الإلكتروني للمجلة: dhadinternationaljournal-hss.com